آخر 5 مشاركات من نفخات عرفات           »          حكمة الحج           »          البشر فصول           »          اجمل و الصعب           »          نتائج امتحانات الوقف الشيعي في العراق 2013 2014


العودة   منتديات سما الحب > الملتقى العام > منتدى التاريخ

منتدى التاريخ التاريخ العربي,التاريخ الاسلامي,التاريخ العالمي,كل ما يخص التاريخ من احداث,تاريخ, تاريخها, تاريخه, تاريخاً, تاريخا, تاريخهم, تاريخِ ....

ذاكرة العراق

ذاكرة العراق... عدنان الباجه جي (الحلقة 1) : التقى أول ملك للعراق. . ولام صدام وجها لوجه الباجه جي: أنا أول عراقي يولد بعملية قيصرية في بغداد على يد جراح

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-03-01, 06:24 PM   #1
عضو فضي
الصورة الرمزية كيك بار
 
كيك بار is on a distinguished road كيك بار غير متواجد حالياً
إرسال رسالة عبر MSN إلى كيك بار

ذاكرة العراق... عدنان الباجه جي (الحلقة 1) : التقى أول ملك للعراق. . ولام صدام وجها لوجه
الباجه جي: أنا أول عراقي يولد بعملية قيصرية في بغداد على يد جراح بريطاني


ذاكرة العراقالباجه جي ذاكرة العراقمزاحم الباجه جي يحتضن ولده الوحيد عدنان

معد فياض
خرائط الأمكنة لا تختلط عنده، وتقاويم الأحداث لا تتداخل أو تتغير، الأسماء محفوظة في أرشيف حي وبدقة متناهية، وكلها تشير إلى أفعال تاريخية ترتبط بأزمنة ومدن، فالجغرافيا والتاريخ مساران لا يفترقان مهما امتدا أو تعمقا في الأرقام والأوقات.

الجغرافيا واضحة عنده تماما، تبدأ من بغداد وتعود إليها، والزمن دقيق للغاية، منضبط على ساعة القشلة في بناية السراي الحكومي ببغداد أيضا. بغداد التي وُلد وترعرع فيها، وينتمي إليها عدنان الباجه جي الذي تنبض ذاكرته الحيوية والمتدفقة بأحداث وصور عاشها على مدى 87 عاما، وأخرى لم يعشها لكنها تناهت إليه عن والده.
ذاكرة لم تسترِح، لم تغفل أي مشهد حياتي، لم تنسَ أو تتناسَ أي تفصيل في الوقت والزمن، لم تهمل أي اسم، لم تتكاسل إزاء أي حدث. في الحقيقة هي ذاكرة ملونة، يمكن أن تُرى وأن تُسمع، وأيضا - وهذا مهم للغاية - أن تتحدث، أن تسرد وتحلل، ذاكرة تمنحك الشعور بإمكانية تنفس رائحتها، رائحة المحلات والشوارع والأسواق التي انتعشت فيها، ذاكرة محايدة ومنصفة وصادقة وثرية، تلك هي ذاكرة شاب في نهاية العقد الثامن من عمره، حيث وعى الحياة في بداية بناء الدولة العراقية الحديثة، وشهد، متأسفا وحزينا، سقوط هذه الدولة، فهو من قدر له أن يلتقي، عندما كان عمره ثماني سنوات، أول ملك للدولة العراقية الحديثة، فيصل الأول، وأن يلوم، متسائلا، صدام حسين وجها لوجه، آخر قادة هذه الدولة عند سقوطها مُحتلة عندما التقاه وهو في العقد الثامن من عمره عما سببه للعراق من مصير.
وعلى مدى أكثر من شهر، فتح عدنان الباجه جي لـ«الشرق الأوسط» خزائن ذاكرته النفيسة بأحداثها وشخوصها وتواريخها، وابتداء من اليوم الذكرى السنوية السابعة للاجتياح الأميركي تنشر هذه الذكريات على حلقات.
الباجه جي، المنحدر من واحدة من أرقى العوائل البغدادية التي تعود أصولها إلى عشائر شمر، وزير وابن رئيس وزراء ومناضل سياسي لم يسكت على ضيم ولم يهادن من أجل قضية عراقية وعربية، يبهرنا باكتشافاته للتاريخ الحديث والراهن للعراق عبر ذكرياته التي خص بها «الشرق الأوسط» حصرا، مثل سندباد ألف ليلة وليلة، يبحر بنا من بغداد، بغداده هو وليست بغدادنا أو بغدادهم، مسترسلا في حديث تخيلته لن ينتهي، وتمنيت أن لا ينتهي.
فنحن إزاء رجل عراقي يندر وجوده بين العراقيين اليوم، ساهم ببناء الدولة العراقية الحديثة وأرسى دعائم وجودها دوليا، لم يساوم من أجل منصب أو جاه أو مال، بل نزاهته ونقاء يده وضميره وثبات مواقفه هي التي صاغت اسمه وصقلته، تماما مثلما تصقل قطعة حجر كريمة ونادرة.
هنا سرد حياتي لتجربة أكثر من قرن من زمن الحياة العراقية، ليست التجربة السياسية فحسب، وإنما هي تجربة وذاكرة حياة بأكملها، وبكل جوانبها الثقافية والاجتماعية، مستهلا بتجارب البناة الأوائل لدولة العراق الحديث، بينهم مزاحم الباجه جي، والده، سياسي وسفير ووزير خارجية ورئيس وزراء العراق (1890 - 1982)، وشبه مختتما هذا السرد باحتلال وخراب العراق حتى يومنا هذا.
من المدينة التي وُلد وعاش بها تبدأ رحلة الذاكرة هذه، بغداد التي لم تكن في عام 1923، حيث ولد عدنان الباجه جي، قد ازدهرت بعد، بل إن العراق كله كان لا يزال ينفض عنه تراب تراكمات الإهمال والتخلف والتراجع الحضاري الذي لحق به بسبب هيمنة الدولة العثمانية لأربعة قرون، وقبلها كانت هناك ويلات غزوات مغولية وفارسية.
قبل عامين فقط من ولادته كانت الدولة العراقية الحديثة قد تأسست، وقبل هذا الموعد امتد تاريخ من الحروب والمعارك توزعت مواقعها من البلقان وحتى شبه الجزيرة العربية وطرابلس والشام ليولد من رحمها ضباط عسكريون أكفاء شهدت لهم ميادين القتال، وسياسيون وطنيون أحبوا بلدهم وأمتهم، شكلوا الرعيل الأول من بناة العراق، أمثال جعفر العسكري ونوري السعيد ومزاحم الباجه جي وعلي جودت الأيوبي وحمدي الباجه جي ورشيد عالي الكيلاني وطه الهاشمي وجميل المدفعي ومحمود بابان ومحمد الصدر، هؤلاء الذين لم يعرفوا ماذا يعني أن يكون العراقي شيعيا أو سنيا أو كرديا أو عربيا، بل عرفوا مفهوما واحدا للمواطنة، هو أن تكون عراقيا.
هؤلاء وغيرهم كتب لهم قدرهم التاريخي أن يتخرجوا من مدارس إسطنبول العسكرية والمدنية، ومن الجمعيات والمنتديات العربية القومية السرية المناهضة للسيطرة التركية، وأن يقاتلوا في صفوف الثورة العربية التي جاءت بالأمير فيصل الأول ملكا على العراق عام 1921 كنوع من الترضية السياسية بعد أن سلب منه عرش سورية.
نذهب مع الباجه جي، عدنان، إلى أصوله الأولى، إلى والده مزاحم الباجه جي الذي ولد سنة 1890 في البغيلة (النعمانية الآن)، حسبما يوضح نجله في مؤلَّفه «مزاحم الباجه جي. . سيرة سياسية»، إذ ينتمي والده إلى قبيلة عبده المتفرعة من عشيرة شمر، وأمه تنحدر من عشيرة البوسلطان، «وكان مزاحم يعتز كثيرا بأخواله البوسلطان، ويفاخر بجذوره العربية الأصيلة من هذه القبيلة الشهيرة. ولعله قد ورث بعض صفاته منهم مثل الصلابة والكبرياء وعدم السكوت على الضيم».
وقد يتوهم البعض أن لقبه (الباجه جي) قد اكتسب من مهنة طبخ أشهر أكلة عراقية (الباجه)، بل جاء نتيجة تصاهر جدهم الأكبر عثمان بك «مع أسرة الكلبدون المعروفة في الموصل، وهي من العائلات التي كانت تلقب بالسادات لأنها تنحدر من سلالة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (رض). وكان آل الكلبدون من كبار تجار الموصل ويتعاطون المتاجرة في قطع القصب المذهب (الكلبدون) واللؤلؤ والأقمشة النفيسة»، وقطع القصب المذهب تسمى باللغة التركية (البارجه)، وحتى اليوم يقول العراقيون عن أية قطعة فيها لمعان (تبرج) أي (تلمع)، ومع الزمن «أصبح آل كلبدون يعرفون باسم بيت (البارجه جي)، وبمرور الوقت حذف حرف الراء فأصبح اللقب (الباجه جي)».
ومزاحم الباجه جي من أولئك الأوائل الذين تحملوا أعباء البناء الأول، البناء للعراق وسياسته الداخلية والخارجية، فعلى الرغم من أن عائلة الباجه جي تعد من العوائل البغدادية الثرية والمترفة والمعروفة، فإن هذا الرجل لم يكن محظوظا في بداية نشأته، فقد أكمل دراسته الثانوية سنة 1907 وفي نفس العام توفيت والدته، ووقع أبوه في فراش المرض، فسافر إلى إسطنبول ليلتحق بعد عام من وصوله بكلية الحقوق هناك برعاية ابن عم والده هناك.
قبل ذهابه إلى إسطنبول بدأ الفتى ذو الأعوام الخمسة عشر يؤمن بالفكرة العربية باعتبارها الطريق الذي سيحرر العرب من الحكم العثماني (التركي)، إذ يقول عدنان عن والده إنه «كان قبل أن يكتشف انتماءه القومي العربي يدين بالولاء للسلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين، ولكن ابن عمته حمدي الباجه جي (سيكون رئيسا للوزراء في العهد الملكي)، الذي كان يكبره بخمس سنوات كان يبشر بالقومية العربية، ويعلن أن العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأن من حق العرب أن يتخلصوا من نير الحكم العثماني وينالوا حريتهم واستقلالهم، وقد أثرت هذه الآراء تأثيرا عميقا على والدي (مزاحم) وأصبح منذ ذلك الوقت وحتى وفاته بعد ما يقرب الـ75 عاما، مؤمنا إيمانا لا يتزعزع بوحدة الأمة العربية».
في أبريل (نيسان) 1909 تم خلع السلطان عبد الحميد، فسيطرت جمعية الاتحاد والترقي التي يتزعمها أتراك متشبعون بالفكرة التركية الطورانية على الإمبراطورية العثمانية وكان هدفها تتريك جميع العناصر غير التركية، ومن ضمنهم العرب بالدرجة الأولى، وصهرها في القومية التركية، وكانت ردة الفعل العربية قوية، جاءت من خلال الجمعيات العربية السياسية السرية، وأخرى معلنة بلباس ثقافي في الظاهر وسياسي في السر، وكان مزاحم الباجه جي يتعاون مع الشبان الذين كانوا يشاركونه في العقيدة، مثل نوري السعيد ومحمود أديب وعلي جودت، فانضم في إسطنبول إلى المنتدى الأدبي الذي كان يرأسه عبد الكريم قاسم الخليل (من عائلة الخليل المعروفة في صور بلبنان)، وهو أول الشهداء الذين أعدمهم الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى، وأصبح مزاحم سكرتير النادي وعضو هيئته الإدارية، وكان من أعضائه الشهداء صالح حيدر ورفيق سلوم وسيف الدين الخطيب الذين أعدمهم جمال باشا سنة 1916، وكذلك جميل الحسيني ورياض الصلح، أول رئيس وزراء في لبنان بعد نيله الاستقلال عام 1943، وقد نظم شاعر العراق الكبير وصديق الباجه جي، معروف الرصافي، قصيدة ألقيت بالمنتدى الأدبي ومطلعها:
* يا شباب القوم لولاكم لما ـ ساغ لي العذب وما أن لذ لي
* إنني أبصر منكم أنجما ـ لامعات في ظلام الأملِ
* فاصبروا اليوم على حرّ الظما ـ كي تنالوا الري في المستقبلِ.
عاد مزاحم الباجه جي سنة 1911 إلى بغداد بسبب اشتداد المرض على والده، وقبل أن يتم دراسة الحقوق، وبعيد عودته مات الأب. يقول إنه «ورث عن والده عشرة ليرات ذهبية صرفها كلها على تكاليف الجنازة والدفن»، لكن هذا لم يثنِه عن إكمال دراسته في كلية الحقوق ببغداد، التي أنشأها والي بغداد ناظم باشا عام 1910.
يهدأ زخم سرد عدنان وكأنه يريد أن يركز على نقطة لا يريد لها أن تفلت من ذاكرته، يقول: «كان والدي قد اشتغل كثيرا في القضية العربية، فقد دخل أيضا إلى جمعية العهد، وكان المدني (غير عسكري) الوحيد في الجمعية التي أسسها عزيز المصري، بترشيح من قبل طه الهاشمي، حيث كان هذا المنتدى ثقافيا في واجهته وسياسيا يعمل من أجل تحرير العراق من الأتراك، ووالدي فتح له فرعا ببغداد».
سنجد في هذا السرد الثري والغزير من الأحداث أن عدنان الباجه جي غالبا ما يؤكد، وفي أكثر من مرة وموقع، نهجه القومي العربي وتمسكه بمشروع الوحدة العربية، وبانتمائه الأصيل إلى العراق، وبقراءتنا للاستهلالية أعلاه لن نستغرب هذا التوجه وعمقه، فمن الواضح أنه سار من حيث يدري أو بتخطيط أو دون دراية وتخطيط على نهج والده، حتى إنه عندما عاد إلى بغداد بعد ما يقرب من أربعة عقود من السنوات، مترئسا تجمعه «الديمقراطيين المستقلين»، أصدر جريدة سياسية يومية رصينة، كان سيكتب لها أن تكون إضافة في تاريخ الصحافة العراقية لولا توقفها بسبب الأوضاع السائدة وشح الموارد المالية. الجريدة حملت اسم «النهضة»، وهنا يحيلنا ثانية إلى سيرة والده، مزاحم الباجه جي الذي ترك مهنة التعليم في مدرسة الرشيدية (الثانوية) ببغداد بعد تخرجه من كلية الحقوق عام 1913، وأصدر العدد الأول من جريدة «النهضة» في سبتمبر (أيلول) من ذات العام، ولنا أن نتخيل أن المسافة الزمنية بين (نهضة) مزاحم و(نهضة) ابنه الوحيد عدنان هي 90 عاما، والفرق أن الأولى التي كان رئيس تحريرها إبراهيم حلمي العمر الذي كان من الكتاب المشهورين ببغداد، يعتبرها المؤرخون «أول صحيفة سياسية باللغة العربية في تاريخ العراق الحديث»، فالجرائد والمجلات العربية التي كانت تصدر في ذلك الوقت كانت ذات طابع أدبي أو ديني أو ثقافي، بينما كانت للنهضة أهداف سياسية وقومية عربية واضحة. ولأن هذه الجريدة كانت تؤكد على النهج العربي القومي وتنتقد السلطات العثمانية لعدم قيامها بالإصلاحات في العراق، فقد صدر قرار من مجلس الوزراء العثماني بإغلاقها والتحقيق مع صاحبها الباجه جي ورئيس التحرير.
«كان نوري السعيد أقرب أصدقاء والدي وقتذاك في إسطنبول يشارك في الحرب البلقانية كضابط، وقد جرح في معركة كركلسة مع البلغار». يقول عدنان الذي لا يزال يحمل الكثير من المودة والتقدير للسياسي العراقي الكبير السعيد: «وحتى الآن أحتفظ ببرقية عثمانية مرسلة من إسطنبول إلى والدي تقول إن صحة صاحبنا، ويعنون نوري السعيد، جيدة، وقد سألت والدي عن هذه البرقية فقال إنها تعني نوري السعيد، الذي كانت تربطه علاقة وثيقة بوالدي، لهذا كان قد حذر السعيد والدي من أن الأتراك يريدون إلقاء القبض عليه نتيجة كتاباته الجريئة ومجاهرته بمعارضة الدولة العثمانية، فتنكر والدي بملابس ريفية بسيطة وصعد إحدى البواخر الخشبية الذاهبة إلى مدينة البصرة. كان ذلك في 1913، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية تمضي نحو الانهيار، وكان هروبه من بغداد بمساعدة صديقه (اليوزباشي) توفيق الخالدي مدير شرطة بغداد على الرغم من انتمائه إلى حزب الاتحاد والترقي (أصبح في العهد الملكي وزيرا للداخلية ثم اغتيل واتهم جعفر العسكري ونوري السعيد بتدبير اغتياله كونه كان يتمتع بميول جمهورية)».
علينا أن لا نتخيل الباخرة التي صعد إليها الباجه جي في 23 ديسمبر (كانون الأول) 1913، وكان يوما باردا للغاية، والتي كانت تهبط مع مجرى مياه نهر دجلة جنوبا إلى البصرة لترسو في شط العرب، باعتبارها سفنا نهرية مريحة وتضم غرفا للمسافرين، بل هي زوارق خشبية كبيرة تنقل المسافرين والبضائع، وكانت تتوقف في محطات للمدن والقرى أحيانا، التي تقع على ضفاف النهر لينزل منها أو يصعد إليها بعض المسافرين، وكان مزاحم يتأمل تلك القرى والبساتين العامرة بأشجار النخيل والفاكهة التي تزدحم عند ضفة النهر الغزير بمياهه وهو يبكي بصمت لتركه مدينته الأثيرة إلى نفسه، كما أنه كان يتفحص عن بُعد هؤلاء المسافرين، مقتنعا بأن تنكره بملابس ريفية فقيرة سوف ينجيه من ورطة التعرف عليه والوشاية به إلى السلطات العثمانية والوقوع بأيديها. لكن وقع ما لم يكن في الحسبان، يقول عدنان: «قبل وصول والدي إلى البصرة تعرف عليه أحد الأشخاص، على الرغم من تنكره، فقال له: أنت مزاحم الباجه جي. وأصر هذا الشخص على أنه يعرفه جيدا على الرغم من نكران والدي حقيقة هويته، وحتى لا يحصل ما لا تحمد عقباه فقد بقي يحسب الوقت بفارغ الصبر للوصول إلى المنطقة التالية التي توقف بها الزورق مؤقتا، فاضطر إلى أن يترك الزورق ليذهب إلى بيت عمه الذي كان مديرا لدار الأيتام في البصرة». بعد عام بالضبط من تركه بغداد كتب مزاحم في مذكراته: «في مثل هذا اليوم فررت من بلدي ومهجتي بغداد، بعد انذرفت الدموع الغزار والحسرات الكثار، وذلك لشدة عداء الاتحاديين للعرب».
في البصرة كان على مزاحم أن يجد من يدعمه ليلجأ إليه، حيث ذهب إلى طالب النقيب الذي كان يتظاهر بأنه يؤيد القضية العربية وتبرع بثلاثين ليرة ذهب للمنتدى الأدبي الذي كان يديره الباجه جي، ولا يزال عدنان يحتفظ بأصل هذه البرقية التي يقول فيها النقيب: «أعلمكم بأني بلغت البنك العثماني بتحويل 30 ليرة ذهب بكل ممنونية». كان طالب النقيب وقتذاك منشغلا بأن يجعل من البصرة إمارة مثل الكويت والمحمرة، حيث كان كل من الشيخ مبارك آل صباح والشيخ خزعل (أمير المحمرة) من أصدقائه المقربين.
لجأ مزاحم إلى النقيب، يقول عدنان: «أبلغ النقيب والدي بأن لا أحد سيقترب منه في البصرة كونه (النقيب) كان مسيطرا على المدينة، حدث ذلك في نهاية 1913، وبقي متخفيا بالبصرة، حتى إن نوري السعيد نفسه أيضا بدأ يتخفى، قبل أن يذهب إلى البصرة بمساعدة من النقيب، ثم التقى (السعيد) الشيخ خزعل». تبع ذلك حدوث الحرب، حيث دخلت الدولة العثمانية واستولت القوات البريطانية على البصرة. وبدأ منذ ذاك العهد الجديد للعراق.
هذه الأحداث حصلت قبل أن يتزوج مزاحم الباجه جي، ففي نهاية أبريل 1922 «عاد إلى بغداد مع زوجته السيدة بهيجة، الابنة الكبرى لحسن الباجه جي، التي اقترن بها في نوفمبر (تشرين الثاني) 1921»، وهذا يعني أن عدنان سليل الباجه جي من الأب والأم، وهذا ما يوضحه هو ذاته، متحدثا عن والدته: «هي ابنة عمة والدي، ووالدها حسن الباجه جي كان من أشهر المحامين في العراق، وعندما ألف السير برسي كوكيس الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن النقيب تم تعيينه (حسن الباجه جي) وزيرا للعدلية (العدل)، فرفض وقال أنا لا أدخل الحكومة، فقد كان رجلا متدينا، وقال إن الحكومة تقوم بأعمال تخالف معتقداتي الدينية، ورفض العمل بها. وبعد تشكيل الحكومة العراقية عرض عليه الملك فيصل الأول عضوية مجلس الأعيان ورفض أيضا، فقد كان محاميا ناجحا، وأنا أتذكره، فعندما توفي كان عمري 6 سنوات».
في خضم الصراعات السياسية في السنتين اللتين أعقبتا الاحتفال بتتويج أول ملوك العراق، ولد عدنان، فقد قضى مزاحم النصف الأول من سنة 1923 يراقب الأحداث السياسية، ويتصل بأصحابه من رجال السياسة، ويقابل الملك فيصل الأول من وقت إلى آخر ليبحث معه شؤون العراق، «وفي شهر مايو (أيار) من العام نفسه حدث ما يكدر صفو حياته، فقد سقطت زوجته وهي في شهر حملها التاسع من عربة في عرض الشارع (كانت العربات التي تجرها الخيول وسيلة النقل الوحيدة وقتذاك) فأصيبت بكسور خطيرة». ولادته لم تكن طبيعية، بل قيصرية وعسيرة، فهو أول طفل عراقي يولد بعملية قيصرية، «أنا ولدت في 14 مايو (أيار) 1923، وعمري الآن 87 سنة حسب التقويم الميلادي، وصادف تاريخ ميلادي يوم 28 رمضان 1341 بالتقويم الهجري». ترتسم على وجهه ابتسامة رضا، ويستطرد: «يعني بالهجري عمري 90 سنة».
يقول: «على إثر سقوط والدتي تم نقلها إلى مستشفى المجيدية على الضفة الشرقية من نهر دجلة ببغداد، والذي صار في ما بعد المستشفى الملكي، وكان المستشفى الوحيد الموجود في العاصمة العراقية، وكان هذا المستشفى عثمانيا وموجودا منذ عهد الأتراك، وعندما جاء الإنجليز قاموا بتحسينه، لكنه كان مستشفى بدائيا، وقد أعيد إعماره، وكان قد افتتح توا (قامت في مكانه واحدة من كبرى المؤسسات الطبية باسم مدينة الطب)، فقرر الأطباء إجراء عملية ولادة قيصرية. وأنا أعتقد أن هذه أول عملية قيصرية في تاريخ العراق الحديث، وأنا أول طفل يولد بواسطة عملية قيصرية في العراق، والطبيب الإنجليزي الذي أجرى العملية هو الدكتور بريهم، وكان معه أطباء عراقيون مثل صائب شوكت، وهاشم الوتري، وبإشراف الطبيب الإنجليزي سندرسن، طبيب العائلة المالكة ومؤسس كلية الطب بجامعة بغداد، حيث كانوا يشاهدون ما يجري، إذ إنها العملية الأولى من نوعها في العراق». ونقرأ في مذكرات والده ما كتبه باقتضاب تام عن هذا الحدث، قائلا: «اليوم الساعة إحدى عشرة ونصف، عملت عملية لبهيجة وولدت مولودا في مستشفى الملوكي - الجراح بريهم»، ونلاحظ مدى الحزن الذي كان يشعر به حتى إنه لم يذكر اسم المولود.
أثرت هذه الحادثة على مزاحم تأثيرا كبيرا، إذ تعذبت زوجته وتحملت الآلام القاسية وأصبحت لا تقوى على السير دون مساعدة أو عكازة، وبسبب هذا الحادث وعملية الولادة القيصرية لم تستطع السيدة بهيجة الإنجاب ثانية، وهذا ما يشرحه عدنان نفسه: «نعم، بسبب الحادث الذي تعرضت له والدتي لم تستطع الإنجاب بعد ولادتها لي، فأنا الابن الوحيد لعائلتي وليس لي أي إخوة، لا أولاد ولا بنات، لهذا كنت مدللا وعشت في بيت عز وثراء وترف. ووالدي لم يتزوج بامرأة أخرى، إذ بقي يحبها ومخلصا لها».
وعندما يتحدث عن «الدلال» وكيف أنه كان مدللا، يضحك بخجل واضح ويقول: «مفهوم الدلال قبل 87 سنة يختلف عنه اليوم، فمن الطبيعي أن تسعى كل عائلة إلى توفير ما يُفرح الطفل بتحقيق كل ما يحبه من ملابس جديدة ولعب، لكن الدلال كان بالنسبة لوالدي هو أن أتعلم القراءة مبكرا، وكان عمري ست سنوات عندما بدأت أقرأ كتب التاريخ التي كان يقدمها لي حتى ولو لم أفهم بعضها، كنت أقرأ الكتب والمجلات وتعودت على القراءة وأحببتها، وخصوصا كتب التاريخ، منذ طفولتي كان عندي ميل إلى التاريخ، كان والدي يجلب لي كتبا عن تاريخ العرب وأمجادهم، كما كان يحدثني عن تاريخ الدولة الأموية والعباسية وصلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد. العرب أمة عظيمة وتاريخها مجيد. كما كان يعطيني كتبا عن التاريخ العالمي، وهذه وفرت لي معلومات مهمة أفادتني في دراستي وعملي وحياتي».
************************************************** **********************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 2): العراق في العهد الملكي: الخلافات بين الحكومة والمعارضة لا تقود إلى الاقصاءات وتشويه السمعة
لم يشغل الساسة العراقيين الأوائل موضوع المناصب بقدر اهتمامهم ببناء العراق واستقلاله

ذاكرة العراقالباجه جي متحدثا لـ«الشرق الأوسط»
معد فياض
حدث هذا قبل أن تتغير بغداد بسنوات كثيرة، ولو أتيح لمصور فوتوغرافي التقاط صورة من الجو لعاصمة العراق في السنوات العشر الأولى من القرن الماضي لاكتشفنا أنها كانت عبارة عن محلات سكنية مغلق بعضها على بعض، تتلاصق بقوة، وتنغلق على داخلها بحميمية لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، حتى إن الاتصال بين محلة وأخرى كان محدودا، إذ «عاش سكان كل محلة في شبه عزلة، وكان ولاؤهم الأول لمحلتهم، فكانوا يتعاونون ويشدون أزر بعضهم، ويقفون صفا واحدا ضد اعتداءات وتجاوزات المحلات الأخرى»، وينقل عدنان الباجه جي للحديث عن والده بأنه «كان يشارك فتيان المحلة في (الكسار) أي العراك مع فتيان المحلات الأخرى»، والمحلة التي تنتمي إليها أسرة الباجه جي هي محلة العمار سبع ابكار، وكانت تجاورهم في المحلة عشيرة الجنابيين وآل كبة.

في هذه الحلقة يتحدث الباجه جي عن سنوات طفولته الأولى، وتدشين حياته الدراسية من خلال مدرسة أميركية خاصة كان قد دخلها وهو في الخامسة من عمره، مسهبا في الحديث عن صالات العرض السينمائي التي شُغف بها البغداديون.
كان ببغداد شارع واحد مُعبد، يحاذي نهر دجلة في جهة الرصافة، ومن النهر استمد اسمه (شارع النهر) الذي يمتد من جسر مود (الجنرال البريطاني مود الذي احتل بغداد، وحمل الجسر اسم جسر الأحرار بعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958)، مارا بالمدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله قبل ما يربو على ألف عام، قاطعا سوق الخفافين ومسجدها (مسجد الخفافين)، وهو من المساجد التي بنيت في العهد العباسي «وأعاد بناءه الحاج بكر بن عمر الباجه جي»، متواصلا مع سوق السراي، وماضيا حتى السراي الحكومي العثماني في القشلة وشارع المتنبي.
يعود عدنان إلى البيت الذي ولد وترعرع فيه، كان «في محلة الباجه جي قرب جسر مود في شارع النهر، وهو أول شارع كان ببغداد، ويؤدي إلى سوق السراي قبل أن يتم فتح شارع الرشيد، حيث كانت هناك بيوت الكيلانية (عائلة عبد الرحمن الكيلاني، نقيب أشراف بغداد)، وبيت النقيب، وبيوت بعض العوائل اليهودية الغنية، وكانت هناك أيضا محلات الصاغة الصابئة (المندائيين)، صاغة الفضة والذهب، وكان قصر جدي، والد أمي، هناك ويسمى قصر التماثيل، تحول إلى فندق (جبهة النهر) فيما بعد وتهدم».
هناك في هذا المثلث السكني الضيق الذي يحتل جزءا من شارع النهر وشارع الرشيد فيما بعد والسنك، كانت تقع مجموعة من بيوتات العوائل البغدادية الراقية.
أما شارع الرشيد فقد تم فتحه قبل عام 1910، أي قبل ولادة عدنان بـ13 عاما، وسيكون فيما بعد مسرح جولاته في سنوات فتوته وشبابه الأولى (شارع الرشيد من أقدم وأشهر شوارع بغداد، كان يعرف خلال الحكم العثماني باسم شارع خليل باشا جاده سي، على اسم خليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني الذي قام بتوسيع وتعديل الطريق العام الممتد من الباب الشرقي إلى باب المعظم وجعله شارعا باسمه عام 1910).
ربما تكون الصورة الوحيدة المحفوظة في أكثر من أرشيف لشارع الرشيد والتي يعود تاريخها إلى عام 1919، هي أكثر ما يعبر عن حياة هذا الشارع وقتذاك. تظهر في الصورة بضع عربات تجرها الخيول في شارع تقوم على جوانبه بعض المقاهي والدكاكين، لكن هذه الصورة لم تُظهر أول مدرسة تعلم بها عدنان الباجه جي، فهو الولد الوحيد لعائلته، كان يحيا بعز ودلال، لهذا لم يذهب للدراسة على يد الملا (الكتاتيب) مثل ما درج عليه أبناء جيله، أو والده الذي درس «على يد الملا علي أفندي، وختم القرآن، وكان متدينا إلى حد التعصب، فلم يكتف بأداء الصلاة في أوقاتها بل كان يؤذن في مسجد الباجه جي، ويؤم المصلين، ويحث المتقاعسين من أقربائه وأصدقائه على تأدية فرائض دينهم».
لقد سعى مزاحم الباجه جي إلى أن يتعلم ولده بأرقى المدارس في وقت كانت فيه المدارس شحيحة على أبناء الطبقات الفقيرة، وأحيانا حتى المتوسطة.. يقول عدنان «كان عمري 5 سنوات عندما دخلت مدرسة أميركية خاصة ببغداد، كانت تقع في منطقة السنك بشارع الرشيد، كانت المدرسة للبنين فقط، وكان معنا تلاميذ مسيحيون ويهود والكثير من أبناء العوائل البغدادية المعروفة، مثل محمود بابان الذي صار وزيرا فيما بعد في العهد الملكي، وطلال ناجي شوكت. كانوا يدرسون لنا اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، وكان عندنا أساتذة أكفاء في العربية والتاريخ وقسم منهم لبنانيون، وتخرجت في المدرسة الابتدائية وعمري 11 سنة، وكنت متفوقا في مادتي التاريخ والجغرافيا وضعيفا في الرياضيات، ثم تحسن مستواي في هذه المادة».
وبينما كان الابن يحقق نتائج طيبة ومتفوقة في دراسته، متخطيا أولى مراحلها، كان الأب ينشغل بالسياسة «فخلال هذه السنوات كان والدي منهمكا في العمل السياسي، وفي سنة 1927 عين مندوبا للعراق في لندن، حيث لم يكن وقتذاك لدينا سفراء لأن العراق كان تحت الانتداب البريطاني، وكان توصيف وظيفة والدي هو (DOPLMATIC EGENT) أي الوكيل الدبلوماسي للعراق في لندن، وكان وحده في لندن وبقيت أنا مع والدتي ببغداد».
كان عصر دور العرض السينمائي قد ازدهر ببغداد، إذ افتتحت عدة صالات سينمائية في شارع الرشيد، مثل «رويال سينما» و«سنترال سينما» و«روكسي» و«ريكس» و«علاء الدين»، ومن ثم «الحمراء» و«البيضاء» و«الخيام» و«غرناطة»، وهذه كلها كانت في جانب الرصافة و«بغداد» في جانب الكرخ. وكان الفتيان من جيل عدنان ينبهرون برجل بغدادي يتجول في شارع الرشيد وينادي بصوته الجهوري «أحسن رواية بالبلد.. سنترال سينما» وهو يحمل ملصق الفيلم الجديد كنوع من الدعاية المتوافرة وقتذاك.
لم تكن هذه الصالات حكرا على الأغنياء أو أبناء العوائل المترفة، بل إن البغداديين وبكل فئاتهم ارتبطوا بهذا السحر الجديد وفتنوا به. كانت هناك صالات سينمائية مغلقة (شتوية)، وأخرى صيفية مكشوفة وبلا سقوف تفتتح مساء كنوع من مواجهة صيف بغداد الساخن، وبينما يكون النسيم البارد القادم من نهر دجلة قد منح الصالة المفتوحة متنفسا حياتيا، تكون العوائل البغدادية قد أخذت أماكنها في المقصورات المحجوزة لها مسبقا، بل إن غالبية من هذه العوائل كانت تشتري هذه المقصورات وتبقى محجوزة لها، والأوقات المفضلة للمشاهدة من قبل العوائل هي ما بعد العاشرة ليلا «الدنيا كانت آمنة» حسبما يؤكد عدنان الباجه جي الذي عاش طفولة اعتيادية في حي بغدادي عريق لم تغب صوره عن ذاكرته الصورية، يقول «كنا نلعب، أنا وأقراني من أبناء الجيران كل ما كان معروفا من ألعاب الطفولة وقتذاك، ومنها لعبة (الختيلة) وغيرها».
لكن سحر السينما كان قد سيطر على فتيان جيله «كنا نذهب إلى السينما مع السائق أو مع أحد العاملين في البيت، وغالبا ما كنا نشاهد الأفلام في (رويال سينما) و(سنترال سينما)، كنا نصل إلى صالة السينما بواسطة السيارة، فأنا وعيت الدنيا في عصر السيارات، لكن الناس كانت لا تزال تستخدم العربات التي تجرها الخيول للتنقل».
لا يدع عدنان الباجه جي أي لقطة في مشاهد ذاكرته تفلت منه، يتمعن اللقطات بدقة، لا يهمل أي لون أو صوت أو حركة «أتذكر أن رقم سيارة والدي عندما كان وزيرا للداخلية كان (7 بغداد)، وكان نوعها (أولدز موبيل) كشف، تنتة (ذات سقف متحرك) ولونها أزرق، واشتراها والدي من الوكيل حيث لم يكن استخدام السيارات شائعا في العراق آنذاك، أما السيارة الثانية فكانت (بيوك) وبعد ثورة 14 يوليو 1958 كان رقم سيارتنا (242 بغداد) من دون أن أعرف أين ذهب الرقم الأول».
في صيف 1930 يقرر مزاحم الباجه جي القيام بسفرة عائلية بواسطة سيارته الأولى إلى الشام (دمشق)، ولا يزال عدنان يحتفظ بتفاصيل هذه الرحلة المثيرة بالنسبة له، ذلك أنها «كانت أول سفرة لي إلى خارج العراق، وقد عانينا من الساعات الطويلة للرحلة ومن التراب الذي كان يتسلل إلينا حيث لم تكن نوافذ السيارة مصنوعة من الزجاج وإنما من البلاستيك الشفاف (باغة)، بينما سقفها من الجلد، وكانت محملة بحقائبنا وسلال الطعام (متاع) إذ لم تكن هناك مطاعم على طول الطريق، وقد وصلنا أولا إلى بلدة الرطبة الحدودية التي كانت عبارة عن مركز شرطة فقط، حيث استرحنا قليلا هناك».
ويروي عن والده الذي كان سريع الغضب ولا يهادن في أي قضية وطنية تهم العراق أنه «حضر احتفالا للملك جورج الخامس في (باكنغهام بالاس)، وخصصوا مكانا لوالدي مع ممثلي المستعمرات، فاحتج وقال: أنا لا أقبل أن تضعوني هنا مع المستعمرات، فالعراق دولة مستقلة مع أنها تحت الانتداب، ولنا علاقات مع بريطانيا وفق معاهدات ولسنا مُستَعمرين.. فطلب منه ياسين الهاشمي عدم التصعيد مع بريطانيا» فقد كان للهاشمي، الذي كان وزيرا للمالية في حكومة جعفر العسكري الثانية، تأثير على مزاحم الباجه جي «كونهما كانا في المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور، وهناك نحو 20 رسالة منه إلى والدي، الذي كان في جبهة المعارضة التي يتزعمها الأول (الهاشمي)، وبعد أن تم إنجاز الدستور وتم توقيع المعاهدة مع بريطانيا، وضع الملك فيصل الأول المعارضين في الحكومة، وكان هذا أحد أساليبه في تقريب المعارضة منه، وأجبرهم على تنفيذ المعاهدة البريطانية التي وقعها عبد الرحمن النقيب سنة 1922، والتي كانت المعارضة ضدها، وصادق عليها المجلس التأسيسي، وعلى الدستور الذي كان اسمه القانون الأساسي، وفيما بعد تمت المصادقة على اتفاقية النفط».
لم يشغل الساسة العراقيين الأوائل موضوع المناصب بقدر اهتمامهم ببناء العراق واستقلاله، فرئيس الوزارة سيكون في الغد وزيرا في حكومة يترأسها أحد وزرائه السابقين، وهذه المعادلة تكررت في مرات عدة خاصة مع السياسي العراقي نوري باشا (السعيد)، «ففي سنة 1924 ألف الهاشمي الوزارة ودخل والدي فيها كوزير للمواصلات والأشغال، وبقي 11 شهرا، وكان من أعضاء الوزارة ساسون حسقيل (يهودي) وزيرا للمالية، ورشيد عالي كيلاني وزيرا للعدلية، ورضا الشبيبي وزيرا للمعارف، وعبد المحسن السعدون وزيرا للداخلية، ولم يستمر والدي في الحكومة إذ صار من أقطاب المعارضة في الحزب الوطني برئاسة جعفر أبو التمن».
وفي تفحص سريع للأسماء الواردة سنعرف أن هذه الوزارة، كما بقية الوزارات العراقية في العهد الملكي، كانت تضم عراقيين من مختلف الأديان والمذاهب، ففيهم السني والشيعي واليهودي.
قصر التماثيل الذي كانت تحيا فيه عائلة الباجه جي تحول إلى مسرح للأحداث السياسية واللقاءات والسجالات «كنت صغيرا (يقول عدنان) لكنني كنت أشعر بهذا الحراك السياسي الذي كانت تجري أحداثه في بيتنا الذي كان يجمع كبار الساسة أمثال ياسين الهاشمي ونوري السعيد وعلي جودت وجميل المدفعي وجعفر العسكري، وغيرهم. ولم يضع أي سياسي عراقي وقتذاك في حساباتهم هذا شيعي وذاك سني أو عربي وكردي أو مسلم وغير مسلم، فالأحزاب العراقية كانت مختلطة، أبو التمن (شيعي) رئيس الحزب الوطني، وأعضاؤه مزاحم الباجه جي، ومحمود رامز (سنة)، ومحمد مهدي كبة (شيعي) رئيس حزب الاستقلال، ومعه فائق السامرائي وصديق شنشل (سنة)، وأعضاء الحزب الشيوعي، ومن ثم حزب البعث لاحقا، كانوا خليطا من السنة والشيعة والعرب والأكراد والتركمان والمسيحيين، وهذا كان وضع جميع الأحزاب السياسية في العراق ( ماكو شي اسمه سني وشيعي)، كان من يفكر بهذه الطريقة هم المعممون (الملالي) لأنهم يعرفون أن نفوذهم قائم على أساس الطائفية».
نحن وسط خطوط تتشابك وقد تتعقد، أحداث وأسماء وصور وتواريخ، يجب أن يكون كل حدث في مكانه الصحيح، وأن تتصل الخطوط من غير أن تتقاطع، وبما عرف عنه من عقلية منظمة، يرتب عدنان الباجه جي الأحداث، ويحرص على أن تكون في موقعها المناسب والصحيح، يصمت قليلا، ينظم ملفات الذاكرة المتّقدة، ترتسم، من دون أن يدري حتى، على وجهه سحابة شفافة من أسى، ويستطرد «كان هدف وعمل السياسيين العراقيين هو الوطن والناس، وكانوا مثقفين ومنفتحين وما عندهم هذه القسوة التي نشهدها اليوم، يختلفون سياسيا أو فكريا لكنهم يبقون أصدقاء وأصحابا، ولا قاتل ولا مقتول ولا سجن ولا خطف.. بل إن السياسيين حتى وإن كانوا مختلفين إلا أنهم يتزاورون ويتبادلون الأحاديث الاجتماعية كأحبة، وغالبا ما يأتون مع عوائلهم، زوجاتهم، وأبنائهم لتوطيد اللحمة الاجتماعية فيما بينهم».
وهذه اللقاءات السياسية لم تكن تخلو من روح إنسانية شفافة، ومن المزاح والنكتة «كنا، أنا وأبناء جعفر العسكري، نزار وقيس وزياد، متقاربين عمريا، ونلعب معا سواء في بيتنا أو في بيتهم، وكان نوري السعيد يزورنا دائما، أتذكر ذات صيف، كان عمري 10 سنوات، عندما جمعنا ذات مرة واستأجر زورقا أخذنا فيه إلى جزيرة صغيرة كانت تظهر خلال الصيف وسط نهر دجلة، كان الوقت ليلا، وضوء القمر ينير النهر، فسبحنا بالنهر، ثم جاءوا بالسمك المسكوف لنتعشى، بينما كان السعيد يشرب العرق لوحده وهو يراقبنا فرحا، وعمل هذه النزهة لغرض التفريج عن الأولاد، ثم دعانا لنقف في صف واحد مثلما العسكر وأشار إلى مسناة تقع في الضفة المقابلة وكنا قريبين منها (مسناة بيت الشابندر)، والمسناة هي (مرفأ نهري للزوارق كان يقيمه البغداديون أمام بيوتهم أو في مناطقهم السكنية التي تقع على ضفة النهر)، وقال: الآن رددوا بصوت عال ما أقوله لكم.. وفعلنا، حيث كان يشتم محمود جلبي الشابندر، وبدأنا نردد ما يقوله السعيد: محمود جلبي شابندر، انت ما تستحي، انت حرامي.. وكنا نطلق أصواتنا بكل قوتها ونردد ما يقوله بحماس كبير وسط قهقهات نوري باشا، إذ كان يضحك ملء روحه بينما كان الشابندر يجلس في المسناة ويسمع كل شيء من غير أن يرد. هذا كان جزءا من التناحر أو الاختلاف بين السياسيين، مع أن الشابندر لم يكن سياسيا، بل كان تاجرا لكنه كان متهما بتهريب الذهب، وقد أراد السعيد أن يوصل له رسالة عدم رضا، وفي الوقت ذاته أن يمزح معه، ونقل لنا والدي أن الشابندر عندما التقى السعيد بعد هذه الحادثة عاتبه بود وقال له: هاي شنو باشا ليش هيجي.. وهما يضحكان. هكذا كانت العلاقات والخلافات».
لم تكن الخلافات بين الحكومة والمعارضة تقود إلى الإقصاءات أو تشويه السمعة، بل عبر رسائل ساخرة وغير جارحة، «ففي قصة أخرى رويت على مسامعنا عن السعيد الذي كان رئيسا للوزراء والمعارض محمود رامز المعروف بجديته ورصانته، وذات مرة كان السعيد عائدا من سفرة من خارج العراق فالتقى برامز وقال له أمام الآخرين: محمود لقد جلبت لك صوغة هدية.. فسأله رامز عن الهدية: شنو هيه؟ (ما هي).. فأجابه السعيد: اشتريت لك ملابس داخلية حرير حمراء اللون.. فاحتج رامز قائلا: هاي شنو باشا. وفي حادثة مشهورة هي الأخرى، جاء موظف كبير بالحكومة إلى جعفر العسكري وكان رئيسا للوزراء، وقال له: باشا أنا مسافر إلى لندن، ما هي الأماكن التي تقرح أن أزورها هناك، متاحف أو مكتبات (باعتبار أن العسكري كان قد عاش في لندن)؟.. فأجابه رئيس الوزراء: من الأفضل أن تقوم بزيارة الحمامات هناك لترى كم هي نظيفة. وهذه المزحة كانت تنطوي على نقد وتوجيه أكثر منها مزحة. كانت هناك علاقات اجتماعية، والسياسيون كانوا يتمتعون بروح إنسانية وروح نكتة وسخرية».
تزامن إنهاء عدنان الباجه جي لدراسته الابتدائية عام 1934 مع «عرض الحكومة على والدي مزاحم الباجه جي منصب الممثل عن العراق في عصبة الأمم في جنيف، والوزير المفوض في روما. لم يكن هناك سفراء للعراق، فالوزير المفوض هو الذي كان مسؤولا عن البعثة الدبلوماسية للبلد، ووافق والدي، لكنه لم يأخذني معه لأنه أراد أن أبقى وأتعلم في دولة عربية، لهذا ذهبت إلى كلية فيكتوريا (مدرسة إنجليزية داخلية) في الإسكندرية، كان عمري 11 سنة، وسافرت من بغداد إلى دمشق ومن ثم إلى بيروت بواسطة السيارة».
في بيروت تتشكل الدهشة الأولى في عيون وروح الصبي القادم من مدينة قديمة هي بغداد، مدينة بلا أبنية عالية، بلا ألوان بهيجة، وتخلو من زحمة الحياة وتدفقها اليومي، بل إن الدهشة الأكبر شكلها البحر، وبكثير من العناية والاهتمام يصف عدنان هذه اللقطة وكأنه يرسمها بريشة فنان، ويرفقها بموسيقى صوتية ساحرة، يقول «شاهدت البحر واندهشت منه وأحببته، حيث لم أكن قد شاهدت في بغداد سوى نهر دجلة»، وسوف تستمر علاقته مع البحر وتتوطد أكثر عندما يكون في أحضانه وليس مجرد مشاهد له من الضفاف البرية، سوف يتنفس رائحته عن قرب،ويتبلل وجهه برذاذه، ويسمع صوت أمواجه «من بيروت استقللنا الباخرة إلى مدينة الإسكندرية في مصر في رحلة بحرية استغرقت يومين».
وعلى الرغم من متاعب والدته ومشاقها في المشي، فإنها لم تتحمل فكرة سفر ابنها الوحيد وهو في الحادية عشرة من عمره إلى خارج بغداد، بل إلى عالم بعيد جدا عن محلة الباجه جي وشارع النهر، إلى الإسكندرية، قاطعا ما يقرب من ألفي ميل من البراري من بغداد إلى دمشق، ثم إلى بيروت، وثمة مئات الأميال البحرية وصولا إلى ميناء الإسكندرية، يقول «رافقتني والدتي إلى الإسكندرية حيث عاشت هناك لسنة واحدة وبعدها عادت إلى بغداد وأنا بقيت في المدرسة الداخلية».
أدار عدنان وهو في الثانية عشرة من عمره، حياته وحده في مدرسة داخلية إنجليزية بكل هدوء، مستفيدا من كل الفرص التي أتاحتها المدرسة من جهة والحياة في المدينة المصرية الساحلية «كانت الدراسة ممتازة» يوضح، فهي «مثل مدارس هاروو في لندن وتعتمد مناهجها، وقد استفدت كثيرا منها والدراسة كانت باللغة الإنجليزية، وخارج المدرسة كنا نذهب إلى البحر في الإسكندرية ونسبح في الصيف».
كان العمل الدبلوماسي للدولة العراقية الفتية يوزع مزاحم الباجه جي بين مقر عصبة الأمم في جنيف وموقع عمله كرئيس للبعثة الدبلوماسية لبلده في روما، لكن قلبه كان عند نجله الوحيد عدنان، لهذا «وفي أول عطلة صيفية طلب والدي من عمي أن يصطحبني إلى روما حيث كان والدي يعمل، ووالدتي بقيت ببغداد لأنها كانت مريضة ومقعدة، كما أنها امرأة بغدادية لا تحب مغادرة مدينتها ولم تكن على قدر واسع من الثقافة والاطلاع». ومع أن هذه السفرة سياحية وترفيهية، إلا أن مزاحم الباجه جي الحريص على تنشئة ولده وفق قيم معرفية وأخلاقية راقية، جعل من زيارة عدنان إلى العاصمة الإيطالية مناسبة للتعلم والثقافة والاطلاع، ويشاء حظه السعيد أن يهيئ له شخصية عراقية مثقفة لتتولى مهمة الدليل الثقافي والمعلم له، يقول «في روما أرادني والدي أن أتعلم وأطلع على الثقافة الإيطالية، وكان هناك قس عراقي اسمه بولص هندو، من عائلة عراقية معروفة (بيت هندو)، فطلب منه والدي أن يأخذني لأرى روما، فكان هندو يأخذني إلى المواقع الأثرية ويشرح لي قصص المواقع وأسماءها وأحداثها، ثم أخذني لزيارة الكنائس، بدءا بكاتدرائية القديس بطرس الكبيرة وعموم الفاتيكان وأعمال مايكل أنغلو والتماثيل. كان هذا القس رجلا مثقفا ومطلعا ودمث الأخلاق، وكان يلقي علي المحاضرات القيمة في التاريخ والفن والعمارة كقصص مشوقة، وزرنا المغارات التي كان يختبئ بها المسيحيون عندما كانوا مضطهدين، ويسمونها (كتاكوم)، يعني شاهدت واطلعت على روما بطريقة لم تتح لأي سائح آخر.. شاهدت كل روما، الكنائس والقصور، وأنا أحب التاريخ، لهذا استمتعت بهذه الزيارة خاصة أن معلومات هندو كانت مفيدة كونه شخصا متمكنا». ويمضي في هذه الرحلة مع والده إلى أقصى مدياتها الجغرافية والمعرفية والسياحية «في تلك العطلة الصيفية زرنا ألمانيا وسويسرا، كون والدي كان مندوبا في عصبة الأمم في جنيف، وزرنا باريس، ولندن». وكمن ينتبه إلى اكتشاف تفصيل ربما، أو خيل إليه أنه فاته شيء في السابق، ينبهنا إلى معلومة يجدها جديرة بالتنويه «يعني أنا في طفولتي وشبابي تمتعت بأمور كانت الأغلبية الساحقة من العراقيين محرومة منها، ولم يطلعوا على ما شاهدته أنا وعشته، فعندما كان عمري 12 سنة زرت كل أوروبا تقريبا، ووقتذاك كان هذا الأمر مستحيلا تحقيقه من قبل الآخرين، وعنى الكثير بالنسبة لي، خاصة أن السفر والتنقل لم يكن متاحا مثل اليوم».

************************************************** *************************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 3) : الباجه جي: تأثرت بأفكار رشيد عالي الكيلاني فمنعت الحكومة تعييني
قال: الحرب العالمية الثانية قطعت علي الطريق للوصول إلى إنجلترا لإكمال دراستي


ذاكرة العراقعدنان الباجه جي رئيسا للجنة الرابعة في الأمم المتحدة أوائل الستينات

معد فياض
كانت الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت في أوروبا قبل عام واحد من تخرج عدنان الباجه جي في مدرسته الثانوية في الإسكندرية، والتي أمضى فيها ست سنوات، هذه الحرب التي لم تؤثر على مسيرته الحياتية إلا في جانب واحد، إذ قطعت عليه طريق الوصول إلى إنجلترا لإكمال دراسته الجامعية فيها، يقول «درست في الثانوية في الإسكندرية ست سنوات، حيث تخرجت سنة 1940، وكان من المفترض أن ألتحق بالدراسة في أكسفورد، لكن سقوط فرنسا في الحرب قطع الطريق أمامي للوصول إلى إنجلترا».

لم يهتم عدنان لعدم قطعه البحر نحو هدفه، إذ كان البديل بالنسبة له أفضل حسب رأيه «فقد التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت لدراسة العلوم السياسية والتاريخ، وقد استفدت كثيرا من الدراسة في هذه الجامعة، فهي أميركية بالاسم فقط لكنها عربية، كانت غالبية الأساتذة والطلبة من العرب، كما أن هذه الجامعة كانت مركزا ومنطلقا للحركات الفكرية والثورية العربية، وقد تأثرت بها كثيرا».
في هذه الجامعة سيدشن الشاب عدنان أولى تجاربه السياسية متأثرا بالحركة الثورية لرئيس حكومة الإنقاذ الوطني في العراق رشيد عالي الكيلاني في مارس (آذار) 1941 إبان الحرب العالمية الثانية، والتي شكلها من الضباط القدامى من زملائه في الجمعيات السرية التي كانت تدعو لاستقلال العراق، وهم القادة الأربعة المعروفون بالمربع الذهبي، برئاسة العقيد صلاح الدين الصباغ، وهم كل من فهمي سعيد ومحمود سليمان وكامل شبيب ويونس السبعاوي، الذين سيتم فيما بعد إعدامهم بإصرار من الوصي على العرش الأمير عبد الإله الذي كان من المناصرين لبريطانيا، إذ لم يستطع مقاومة التيار العربي في وزارة الكيلاني. وبدأ الموقف في التصاعد عندما رفض رئيس الوزراء السماح للقوات البريطانية باستخدام الأراضي العراقية أثناء الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور، ورفض الدعوات التي وجهت إليه لقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا التي كانت حليفة لألمانيا أثناء الحرب.
كل هذه المواقف السياسية أدت إلى فرض حصار اقتصادي شديد على العراق من قبل بريطانيا، رافق ذلك وصول أنباء إلى أسماع الوصي على العرش عبد الإله بأن الكيلاني يدبر حركة لإقصائه عن وصاية عرش العراق، فهرب الوصي وغادر العراق، مما أفسح المجال لتنصيب الشريف شرف وصيا على العرش بديلا لعبد الإله. نتيجة لهذه الأحداث نزلت القوات البريطانية إلى البصرة، وتوجه الكيلاني نحو بغداد وفشلت حركته وحكم عليه بالإعدام غيابيا؛ حيث كان قد أفلت من الأسر ولجأ إلى إيران فتركيا فألمانيا، ومن ثم إلى المملكة العربية السعودية طالبا حماية الملك عبد العزيز آل سعود.
يقول عدنان «لقد تأثرت بأفكار الكيلاني وبحركته المناهضة للاستعمار البريطاني وأنا في بيروت، وانضممت إلى كتائب الشباب التي أسسها درويش المقدادي (كان أستاذا فلسطينيا) ومساعده إبراهيم شوكت (مدرس جغرافيا)، وبدأ حينها أول عمل سياسي لي، حيث شاركت في مظاهرة في بيروت وتدربنا هناك، لكن الحركة انهارت خلال شهر». هذا النشاط السياسي، ومهما كانت بساطته، سيدفع ابن السياسي الباجه جي ثمنه بعد عامين عندما يتخرج في الجامعة الأميركية ويعود إلى بغداد، يقول «أردت العمل في الخدمة الخارجية (السلك الدبلوماسي) لكن الحكومة منعتني من أداء الامتحان الخاص بالعمل بوزارة الخارجية، حيث كان هناك تقرير من دائرة التحقيقات الجنائية (دائرة أمنية في العهد الملكي) بسبب وجود تقارير تفيد بأني كنت مناصرا لحركة رشيد عالي الكيلاني ومؤيدا للنازية خاصة أثناء الحرب، لهذا بقيت لمدة سنة بلا عمل ولم أفعل أي شيء».
شعر ابن العائلة البغدادية المعروفة، والنجل الوحيد لرئيس الوزراء الأسبق مزاحم الباجه جي بالملل نتيجة حالة البطالة التي فرضت عليه لسبب سياسي عابر في بيروت، ولم يقتنع بالوضع الاقتصادي والحياتي الجيد الذي كان يعيشه، فراح يبحث عن فرصة عمل في الحكومة العراقية «وبسبب وضعي العائلي وعلاقات الصداقة التي تربط الوزراء مع والدي كنت أستطيع مقابلة أي وزير في الحكومة، وهذا لم يكن متاحا لأي شخص، كنت مجرد أن أقول لمدير مكتب الوزير (كانوا يسمونه ملاحظ المكتب الخاص) إنني أريد مقابلة الوزير، يُفتح باب مكتب الوزير أمامي فورا، لهذا التقيت بوزير الداخلية تحسين العسكري، ووزير الاقتصاد سلمان البراك، وغيرهما بحثا عن وظيفة، لكنهم كانوا يعتذرون ويقولون (ماكو وظيفة)، وزال استغرابي فيما بعد عندما عرفت أن والدي كان قد أبلغهم بعدم توظيفي لأنه كان يريدني أن أتم دراستي العليا».
يصر عدنان على أن يحقق ما خط لنفسه من طريق في العمل وخدمة بلده، ألا وهو الانتساب إلى السلك الدبلوماسي، فبعد عام تقريبا من رفض الحكومة مشاركته في امتحان العمل الخارجي، سمح له بأن يخوض هذا الامتحان، يقول «شاركت في الامتحان ونجحت، كان امتحانا حقيقيا لا لبس فيه، وصعبا جدا، وقد بقيت أدرس وأحضر له لعدة أشهر مواد: التاريخ والقانون الدستوري، والقانون المدني والقانون الدولي، وكان هناك امتحان في المعلومات السياسية العامة في العراق وفي العالم، وهذا باللغة العربية، كما كان هناك امتحان لغة، أي يجب أن يعرف المتقدم لغة أخرى غير العربية خاصة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو لغات أوروبية أخرى. وبعد مرور سنة أو سنة ونصف كان علينا اجتياز امتحان آخر هو امتحان تثبيت، ثم امتحان ترفيع (ترقية) إلى سكرتير ثان أو أول، وفي هذا الامتحان يحتم على الموظف أن يكتب أطروحة أو بحثا بلغة أجنبية، بلغة البلد الذي يعمل فيه، فمثلا أنا كتبت أطروحتي أو بحثي عن رئاسة الولايات المتحدة عام 1952، ولا أزال محتفظا بهذا البحث (يخرج البحث من بين أدراج مكتبته ويتصفحه)، وحصلت على ترقيتي إلى سكرتير أول عن بحثي هذا».
لا ينسى عدنان الباجه جي أي اسم أو حدث بتفاصيله الدقيقة، الأهم من هذا أنه يروي هذه الأحداث بصدقية وحيادية عاليتين، حتى إنه لا يزال يتذكر أسماء زملائه الأوائل الذين تعينوا معه في وزارة الخارجية «تعينت في الخارجية في 11 ديسمبر (كانون الأول) 1944 كملحق ثالث، ووقتذاك كان التعيين في هذا المجال يتم بإرادة ملكية، حدث هذا في عهد وزير الخارجية أرشد العمري، ورئيس الوزراء حمدي الباجه جي، ابن عم والدي، وأتذكر أن الإرادة الملكية التي حملت أمر تعييننا ضمت سبعة أسماء بينهم فيصل الدملوجي، عم البرلمانية العراقية ميسون الدملوجي، وعلي جميل صائب، وهو كردي وقتله مشحن الحردان خارج العراق، وكاظم محسن خلف، كان وكيل وزارة الخارجية وعمل سفيرا للعراق في بريطانيا، ومحمد إبراهيم أدهم، تزوج فيما بعد من أميركية وبقي في أميركا، وواصف السعدون نجل عبد المحسن السعدون، وأنا»، وعلى الرغم من أن جميع الذين ذكرهم ينحدرون من عوائل عراقية معروفة، فإنه يؤكد أن «التعيين سواء في وزارة الخارجية أو في أي وزارة أخرى كان يتم حسب الكفاءة، وقد تقدم معنا في الامتحان عدد من الأشخاص هم ليسوا من أبناء عوائل غنية أو معروفة، إذ كانت هناك جدية في التعامل مع الكفاءات، فمن أسسوا العراق الحديث كانوا من طبقة المثقفين والمتعلمين الأكاديميين، من حملة الشهادات الجامعية، البكالوريوس أو الدكتوراه، وقسم كبير منهم اكتسب خبرة عملية ممتازة، فالضباط الأوائل مثلا كانوا ضباطا في الجيش العثماني. ومن المعروف أن الدولة العثمانية كانت تهتم كثيرا بالقوات المسلحة، فقد كانت تختار المتفوقين في المدارس الرشدية، التي هي بمثابة المدارس الثانوية، وتضمهم إلى القوات المسلحة بغض النظر عن عوائلهم سواء كانت غنية ومعروفة أم لا، وتبذل جهودا كبيرة من أجل تدريبهم وتحسين كفاءتهم إلى مستوى عال من التفوق».
ولا يكتفي بذكر هذه الحقائق وإنما يقرنها بالأسماء والقصص «علي جودت الأيوبي، مثلا (والد زوجته) كان ابن عريف في الجندرمة في مدينة الموصل، وعندما دخل المدرسة الرشدية كان عليه أن يذهب إلى بغداد بواسطة الكلك (الجلج)، وهو عبارة عن صف من القرب المصنوعة من جلد الماشية تتم تعبئته بالهواء نفخا، ثم يصفون فوقها الأخشاب لتطوف في نهر دجلة وتنحدر معه جريان الماء من الشمال إلى الجنوب، وتعتمد سعة الكلك وثقل حمولته على عدد القرب الجلدية، وكانت هذه وسيلة شائعة في نقل المسافرين والبضائع من مدن الشمال الواقعة على نهر دجلة إلى العاصمة، وعندما يصل الكلك إلى بغداد يتم تفكيكه وبيع القرب الجلدية والأخشاب، وقد استغرق جودت أياما كثيرة ليصل إلى بغداد. أما جعفر العسكري، وهو أيضا من مدينة الموصل، وهو ابن جعفر بهلوان، فكان ضابطا في الجيش العثماني أيضا، وينحدر من قرية عسكر في الموصل وهم في الأصل أكراد، ولقب والده بالبهلوان كونه كان رياضيا يمارس رياضة (الزورخانة)، وهي نوع من الرياضات الشعبية السائدة وقتذاك، حيث يقوم الرياضي برفع نوع من الأثقال النحاسية أو الحديدية ويلاعبها على إيقاع الطبلة أو المزمار، وكان جعفر ضابطا لامعا ودرس في ألمانيا إضافة إلى اسطنبول، وحاصل على وسام الصليب الحديدي من القيصر الألماني، وقاتل في البلقان وطرابلس وكان بارزا كمحارب في الثورة العربية.
أما نوري السعيد فقد كان ابن موظف بسيط في الجمارك، سعيد أفندي، وقد لمع نجمه كضابط في الجيش العثماني وقاتل في البلقان والثورة العربية. وياسين الهاشمي كان والده مختار محلة الميدان (بجانب الرصافة) يوم كانت هذه المحلة من المناطق الراقية، والهاشمي كان من أكثر ضباط الجيش العثماني تميزا بفضل كفاءته العسكرية، حيث بقي في الجيش العثماني حتى نهاية الدولة العثمانية، وكان قائد جبهة في رومانيا، وحصل على رتبة عسكرية عالية جدا وأيضا حصل على وسام الصليب الحديدي من قيصر ألمانيا، فهؤلاء مثلا لم يكونوا من أبناء العوائل الغنية، لكنهم كانوا يتمتعون بكفاءات عسكرية متميزة، ومع الوقت أثبتوا جدارتهم ووطنيتهم وصاروا من النخبة، وكان تفكيرهم قوميا ووحدويا، لهذا قاتلوا في الثورة العربية من أجل أن يكون العراق نواة للوحدة».
ضباط النخبة، أو البناة الأوائل للدولة العراقية، جمعهم شعورهم الوطني والعروبي القومي وإيمانهم بالوحدة العربية، وهذا ما جعلهم يتحمسون لاختيار الأمير فيصل كأول ملك للعراق من غير أن يفكروا في أنه ليس عراقيا، في حين كان العراقي عبد الرحمن النقيب هو من أكثر المرشحين لحمل تاج العراق. يوضح عدنان الباجه جي «الأفكار الوحدوية كانت من أهداف الأمير فيصل الأول قبل أن يكون ملكا على العراق، فقد شارك في الجمعيات العربية السرية التي ناوءت العثمانيين، لهذا كان الرعيل الأول من الضباط والسياسيين العراقيين قد رحبوا به، وهم من تحمس له كونهم قاتلوا معه في الثورة العربية، علاوة على أنه كان يتمتع بصفات ممتازة وصار ملكا على سورية لفترة معينة وله قدرات سياسية وإدارية جيدة. أما عدم وصول النقيب إلى عرش العراق فقد وقفت عراقيل عدة في طريقه، منها أنه كان متقدما في السن، لكن السبب الأهم هو وقوف الشيعة ضده إذ كانوا يكرهوه بسبب انحدار نسبه من الشيخ عبد القادر الجيلاني، ثم إن الإنجليز كانوا يفضلون فيصل على غيره، والعملية تمت ضمن تسويات سياسية لتعويض خسارة فيصل لعرش سورية».
تم تعيين الباجه جي وزملائه في وقت كان فيه السياسيون العراقيون حريصين على تعليم الشباب ليسهموا في بناء الدولة الحديثة، فبعد أيام فقط من صدور الإرادة الملكية طلب وزير الخارجية أرشد العمري مقابلتهم شخصيا، ولا يزال يتذكر عدنان نص المحادثة التي تمت في هذا اللقاء، قال «قابلنا نحن السبعة، أرشد العمري، وزير الخارجية بطلب منه، وبلهجته المصلاوية (ينحدر العمري من مدينة الموصل) قال(انتو اشتعملون قاعدين هوني)، ماذا تفعلون هنا ببغداد؟ يجب أن تسافروا إلى الخارج لتتعلموا، فالتفت إلي قائلا (أنا سأبعثك للعمل في سفارتنا في واشنطن لأنها مدينة غالية وأبوك غني وعنده فلوس)».
كانت نيران الحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة عندما تقرر التحاق عدنان الباجه جي كسكرتير ثالث في السفارة العراقية في واشنطن عام 1945، فإذا عرفنا أن السفر من بغداد إلى العاصمة الأميركية في الظروف العادية مسألة معقدة للغاية، فإن القيام به في ظروف الحرب العالمية يتحول إلى رحلة شبه مستحيلة، يتحدث عن تفاصيلها من قام بها، عدنان لا غيره، يقول «كان يجب أن أصل إلى واشنطن في سفرتي الأولى عام 1945، حيث كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، بواسطة طائرة عسكرية أميركية، لهذا سافرت إلى بيروت وبقيت هناك ثلاثة أسابيع، ثم سافرت إلى القاهرة، وأبلغوني بأن انتظر ريثما تتوافر طائرة مغادرة إلى أميركا، كنت وقتذاك موظفا بسيطا وليس من المهم في نظرهم الاستعجال بتوفير مقعد أو مكان على رحلة مستعجلة إلى واشنطن».
وليس من شك أن عدنان الباجه جي رجل محظوظ، فهو لم ينزعج أو يتضايق من مسألة التأخير في العاصمة المصرية، ومثلما يقول المثل العراقي الشائع «في كل تأخير.. خير»، فإن هذا التأخير أتاح له أن يشهد حدثا تاريخيا مهما ألا وهو توقيع ميثاق جامعة الدول العربية، ومثلما يوضح «صادف وجودي في القاهرة توقيع ميثاق جامعة الدول العربية في 22 مارس 1945، وحضرت كضيف مع أعضاء السفارة العراقية في مصر حفل التوقيع في قصر الزعفران». بعد هذا الحدث «اتصلوا بي وقالوا جهز نفسك سيكون السفر غدا. كانت الطائرة الأميركية العسكرية اسمها (داكوتا)، ولم تكن فيها مقاعد للجلوس وإنما مسطبة منسوجة من البلاستيك، وذات محركين، وأخذتنا في رحلة طويلة، طويلة جدا، حيث هبطت أولا في بنغازي ثم طرابلس، بعدها في تونس والجزائر ووهران والدار البيضاء، واستغرقت الرحلة 12 ساعة من القاهرة حتى الدار البيضاء، في اليوم التالي حلقنا بطائرة أخرى (دي سي 4) إلى قاعدة أميركية في جزر الآزور البرتغالية، وبقينا هناك لساعات وفي منتصف الليل نقلونا إلى بارمودا، حيث وضعونا في بيت، وكان الجو ربيعيا، ومن بارمودا إلى واشنطن مباشرة».
لكن هذه السفرة الطويلة لم تكن الأولى بواسطة الجو في حياة الباجه جي، إذ يستعرض لنا هنا تاريخ أولى رحلاته الجوية، حيث «كانت أول رحلة بواسطة الطائرة قمت بها عام 1939، من الإسكندرية إلى بغداد، وتوقفت في مطار اللد بفلسطين، لم تكن إسرائيل موجودة وقتذاك، ثم في (إتش 3)، وهي محطة أنبوب النفط العراقي إلى حيفا، وتقع قرب الحدود العراقية الأردنية، ثم توقفنا في قاعدة الحبانية الجوية العسكرية، قبل أن نصل إلى بغداد. واستغرقت هذه الرحلة عشر ساعات، وكانت الطائرة بريطانية وصغيرة تتسع لعشرة مسافرين فقط. وذات مرة سافرت بطائرة هولندية مائية حلقت من البحر المتوسط في الإسكندرية وهبطت في بحيرة الحبانية وكان عدد المسافرين أكثر من عشرة».
يستطرد الباجه جي في ذكر غرائب الرحلات الجوية وقتذاك متحدثا عن «السفرة الممتعة والغريبة التي قام بها علي جودت الأيوبي وابنته (التي ستكون زوجتي فيما بعد) إلى واشنطن سنة 1942، حيث عُين رئيسا للبعثة العراقية هناك. بدأت الرحلة بواسطة طائرة مائية من القاهرة إلى الخرطوم، ثم إلى ستانلي فيل في الكونغو، بعدها إلى كينشاسا، ولاغوس في نيجيريا، ومن هناك عبروا إلى البرازيل، وناتال، ومن هناك إلى تريدنال ثم إلى بورتريكو وصولا إلى نيويورك.. الرحلة دامت 25 يوما».
سيكون لعمل عدنان الباجه جي في واشنطن تأثير المنعطف المهني والحياتي الأهم في تاريخه، حيث كانت هناك قصة حب تتفاعل في داخله مع فتاة كان قد التقاها منذ أن كان عمره ثماني سنوات، ثم التقاها ثانية وهما في سن المراهقة، وأحبا كل منهما الآخر في صمت، تلك هي ابنة علي جودت الأيوبي سفير العراق في واشنطن، وحتى لا يختلط هنا ما هو سياسي بما هو عاطفي فسوف نأتي في ما بعد على تفاصيل هذه القصة التي قادت إلى زواج لا يزال مستمرا منذ أكثر من 63 عاما.
وصل عدنان الباجه جي إلى واشنطن في أبريل (نيسان) 1945، وصلها بانطباعات مسبقة غير ناتجة عن تجربة «عندما وصلت إلى واشنطن كنت في مطلع شبابي» يقول، ويستطرد «كانت معرفتي بالولايات المتحدة ناجمة عن دراستي الجامعية للتاريخ الأميركي وقراءاتي لبعض الأعمال الكلاسيكية من الأدب الأميركي، وكنت متأثرا كغيري بصورة أميركا التي تبشر بها أفلام هوليوود والتي سرعان ما اكتشفت أنها لا تعكس بشكل صحيح طبيعة الحياة الأميركية»، وكان رئيس البعثة العراقية (السفير) في واشنطن علي جودت الأيوبي، صديق والده مزاحم الباجه جي.
أميركا، سوف تفاجئ الشاب عدنان بالانبهار الحضاري الكبير الذي سيلازمه بقية حياته «عندما وصلت إلى هناك انبهرت جدا، فأميركا كانت قمة العالم في وقت كان العالم فيه منهارا بسبب الحرب العالمية الثانية، وأوروبا مهدمة، واليابان مدمرة». لكن ما لفت نظري واستفزني جدا هو طريقة معاملة الأميركان للسود خاصة في واشنطن التي كانت تسودها قيم التفرقة العنصرية بشكل مبالغ فيه، واستغربت من معاملة الأميركيين للسود، فإذا صعد أسود إلى الباص فعليه أن يجلس بالقسم الخلفي من الباص، كما كانت هناك مطاعم ومقاه وأماكن مخصصة للبيض ولا يدخلها السود، حتى المرافق الصحية، فهناك أقسام مخصصة للبيض وأخرى للسود، كان هذا الوضع مؤلما جدا وصادما، فنحن لم نألف مثل هذا التمييز بين الناس».
لكن التمييز العنصري في عاصمة الولايات المتحدة لم يكن المفاجأة المؤسفة الوحيدة، بل هناك مفاجأة أكثر قسوة ووقعا على الشاب العراقي الذي تربى على المشاعر القومية العربية،هذه المشاعر التي تكرست خلال دراسته في بيروت، وما لمسه عن قرب في واشنطن شكل تحديا صارخا لمشاعره ومبادئه، يوضح «انا اتمتع بمشاعر قومية، وتقوت هذه المشاعر في الجامعة الأميركية ببيروت، وعندما ذهبت إلى أميركا، وكانت الحرب العالمية الثانية في نهاياتها، كانت الحركة الصهيونية قد نشطت كثيرا، وقاموا باستغلال المظالم التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية في أوروبا إلى أقصى الحدود، وأول ما طالبوا به هو إدخال مائة ألف يهودي على الفور إلى فلسطين، وتم تأليف لجنة أنجلوأميركية لهذا الغرض، حيث جاءت اللجنة وقتذاك إلى واشنطن، وقد حضرت اجتماعاتها، وحتى الآن أتذكر أن العضو البريطاني في اللجنة كان اسمه (كروسمن)، وصار فيما بعد وزيرا في حكومة العمال، كان منحازا كثيرا للصهيونية، وشعرنا نحن كعرب بأننا محاصرون، وأن حقوقنا في فلسطين تذهب أدراج الرياح»، ذلك أن هذا الشاب المتحمس لقضايا بلاده العربية لم يكن يتخيل أنه سيكون في مواجهة مثل هذه الحقائق والممارسات التي لم تصادفه سواء في الإسكندرية أو بيروت أو بغداد، وهذا ما سينقله إلى مستوى آخر من التفكير «لقد جعلتني هذه الممارسات أتمسك بقوة بقضية فلسطين، وقد سنحت لي الفرصة، فيما بعد، أن أكون في مقدمة المتحدثين عن فلسطين في الأمم المتحدة، وهذا نمى شعوري الوطني والقومي، خاصة أن التقسيم حدث عام 1947 ثم نكبة فلسطين عام 1948».
ويعترف الباجه جي وبروح منطقية بأنه «باستثناء مسألة التمييز العنصري، فأنا أعجبت بالحرية والديمقراطية وقوة مؤسسات الدولة في أميركا، ومن حسن حظي أنني ارتبطت بعلاقات صداقة مع عائلات أميركية، فالأميركان أكثر سهولة من غيرهم على مستوى العلاقات الشخصية والاجتماعية، أكثر سهولة من الإنجليز».
وإذا كانت واشنطن ومن ثم نيويورك قد أدهشتا الباجه جي بعمرانهما وحياتهما اليومية، فإنه يشير إلى المدن العربية التي يعتبرها متحضرة ومتقدمة على مدينته بغداد «بالتأكيد كانت مصر متقدمة، وما من شك كانت أكثر تقدما من العراق، وذلك من الناحية العمرانية والثقافية وأسلوب الحياة، فالطبقة الميسورة في مصر كانت تعيش بصورة أكثر رقيا من مثيلتها في العراق، ولا أتحدث هنا عن مستوى الفقر، فالفقر كان سائدا بين الشعب المصري، وكذلك مستوى الحياة والرقي في بيروت كان متقدما، يعني كمدن عربية أذكر أن القاهرة والإسكندرية وبيروت كانت متقدمة كثيرا على بغداد التي كانت تبدو قياسا إلى تلك المدن أشبه بقرية كبيرة منها إلى مدينة».
************************************************** *********************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 4): الباجه جي: ورثنا الطائفية من الصراع بين الأتراك والفرس على العراق
قال إن الحضارة الجديدة بدأت في البلد مع العهد الملكي حيث تم إرسال البعثات والزمالات وتم بناء المدارس وصار هناك اهتمام بارز بالتعليم


ذاكرة العراقالباجه جي مع زوجته عام 1990

معد فياض
حدث ذلك عام 1933، كان في عمر الطفولة، عندما التقى ذات يوم خلال حفلة في مدرسته الأميركية الابتدائية بوالدة وأخت زميل دراسته، البنت تصغره بعامين، حيث يشع الذكاء من عينيها، بينما كان شعرها الأحمر غير مسترسل، وحتى اليوم لا يدري عدنان الباجه جي لماذا أثرت فيه هذه البنت وانطبعت صورتها في مخيلته، صورة سيبقى يتذكرها، ويعيد وصفها بكثير من العناية، وفي كل مرة يتحدث عن تلك المصادفة، سوف يكتشف المزيد من التفاصيل الدقيقة، ربما لون ثوبها، أو لون الشريط الذي كانت تربط به شعرها. يقول: «أول مرة التقيت بفتاة، كان عمري 10 أعوام، وكانت قد جاءت مع والدتها إلى حفل في مدرستنا ببغداد، حيث كان شقيقها معي في المدرسة وصديقي، كان عمرها وقتذاك 8 سنوات، ولا أدري ما الذي شدني إليها مع أننا كنا أطفالا».

وبينما ينشط ذاكرته كي لا تتبخر هذه الصورة أو الذكرى، أو بالأحرى الصورة الذكرى من رأسه، وبعد أربع سنوات من ذلك اللقاء سيكون عليه أن يلتقي بذات البنت الحلوة مع عائلتها، وهذه المرة سيكون اللقاء أطول، وسيأخذ مساحة أوسع، بعيدا عن الأرض، وفي البحر إذ سيعود من نابولي، عندما كان في زيارة إلى والده في إيطاليا، إلى الإسكندرية على نفس الباخرة التي تقل علي جودت الأيوبي وعائلته، ولم يصدق أن البنت التي كان قد التقاها مع والدتها وأخيها في الحفلة المدرسية قد كبرت وصارت أحلى.
يتذكر الباجه جي هذه الأحداث ويصفها، تماما مثلما يصف حقلا واسعا من الزهور البرية التي تمتد على مد النظر «لكن الاهتمام الحقيقي بيننا بدأ في نابولي عام 1937، إذ كان والدها رئيس البعثة العراقية في باريس، أي بمثابة سفير، ذلك أن الدول الصغيرة وقتذاك وحسب اتفاقية فيينا الأولى لا تعين سفراء بل وزراء مفوضين وهم رؤساء بعثات ويقدمون أوراق اعتمادهم إلى الملوك والرؤساء، وكذلك كان والدي في روما، فقدم والدها استقالته وكان عائدا مع عائلته إلى بغداد عن طريق روما ليأخذوا الباخرة إلى الإسكندرية، وكنت وقتذاك في زيارة إلى والدي في العاصمة الإيطالية، ، فصادف أننا صعدنا على نفس الباخرة، وقد أتاحت لنا هذه السفرة المزيد من اللقاءات وتبادل النظرات، ووقتذاك كان هذا أقصى ما يمكن أن يحدث بين فتى وفتاة»، كان يتحدث وهو ينظر إلى اللوحة الزيتية التي رسمت لزوجته، بورترية، وهي تقف في كامل بهائها، كان في الحقيقة يغازلها، اللوحة، فبانت زوجته خلال باب الصالة مبتسمة، وكنت بحاجة إلى طاقة تعبير غير الكتابة أو التسجيل الصوتي لرصد لحظات الحب هذه التي قادتهما إلى 72 سنة من عمر علاقتهما، علقت زوجته قائلة وهي لا تزال تبتسم: «كان تبادل النظرات يعني الكثير، فالرومانسية كانت هي التي تحرك العلاقات والمشاعر وليس مثل اليوم، اليوم ليس هناك مشاعر رومانسية للأسف»، ثم غابت في الغرفة المجاورة تسمع من خلالها الحديث وكأنها تريد أن تخفي مشاعر تفضح أول وآخر حب في حياتهما، بينما استطرد هو قائلا: «أنا لم أتسلم منها سوى رسالة واحدة بعثت معها الصور التي التقطناها مع عائلتها على ظهر الباخرة».
لكن اللقاء الحاسم سيكون في بيروت حيث كانا يدرسان هناك «عندما ذهبت إلى الجامعة الأميركية في بيروت كانت هي تدرس في كلية للبنات هناك، بالطبع كنا قد كبرنا فأنا كان عمري 19 سنة وهي 17 سنة، وكنا نلتقي هناك، لكن طوال السنوات التي لم نكن قريبين كنا نفكر في بعضنا من دون أن تكون هناك أي مراسلات أو اتصالات» وسيعيشان واحدة من أجمل وأعمق قصص الحب التي لن تتكرر مثيلاتها، قصة حب بدأت بينهما، ومن غير أن يشعرا، في عمر الطفولة، ولم تنتهِ حتى اليوم.
كان كل منهما يشعر بعواطف الآخر من غير أن يعلنا عن تلك المشاعر، فمهما كانت عائلتاهما متقاربتين اجتماعيا، ومنفتحتين فكريا، إلا أنها تبقى ابنة علي جودت، الرجل العربي القادم من الموصل والمنتمية إلى عائلة شديدة في تحفظها وتمسكها بتقاليدها، بينما هو سليل الباجه جي، الذين نشأوا على تعاليم الدين الإسلامي، وتمسكوا بعاداتهم البغدادية العريقة. تشع عيناه تألقا، يتدفق الحب في شرايينه فيفضحه وجهه الذي يشرق بابتسامة فيها بعض الخجل «ما كنا بحاجة إلى الرسائل حتى إذا لم نلتق لسنوات، فكلانا يعرف مدى حب بعضنا لبعض».
لكن واشنطن هي التي جمعتهما إلى الأبد، وعليه أن يبقى ممتنا، وهو كذلك، لأرشد العمري، وزير الخارجية الذي عينه لأول مرة سكرتيرا ثالثا في السفارة العراقية لدى الولايات المتحدة بمعية السفير علي جودت الأيوبي، والد حبيبة عمره.
كلما تحدث عدنان الباجه جي عن هذه القصة تتملكه مشاعر من السعادة والنقاء، سعادة كمن يحب اليوم لأول مرة في حياته: «كنا نخرج معا في واشنطن قبل الزواج، ولكن ضمن ضوابط، حيث كان يجب أن نعود إلى البيت في وقت معين يحدد من قبل عائلتها» وكان راضيا بسعادة عن هذه اللقاءات مهما كانت قصيرة أو محدودة.
شعر الشاب المتطلع توا لحياته العاطفية والعملية بأن طمأنة الروح والعقل والشعور بالرضا لم يعودا كافيين لخلق سعادته الحقيقية هناك «في واشنطن تعمقت علاقتي مع سلوى علي جودت، وطلبت من والدي أن يكتب رسالة إلى صديقه علي جودت الأيوبي، والدها، ليخطب ابنته لي، كما أن والدي لم يتمكن من المجيء إلى أميركا لغرض الخطبة، فبعث لي برسالة يقول فيها: (اشدعوة كأنك عباس المستعجل)، وهذا مثل يقوله العراقيون لكل من يستعجل في إنجاز أي شيء، وهو محق فقد كان عمري 23 سنة عندما أردت الزواج لكن شعور الشباب والحب دفعني لأهم خطوة في حياتي، وتزوجنا بعد عام واحد من وصولي إلى العاصمة الأميركية، ومن حسن حظي أن زواجي كان نتيجة علاقة حب عميقة جدا، وهذا ما جعلنا نستمر طوال 64 سنة من الزواج».
لم يشغل الزواج عدنان عن عمله ودراسته، لكنه (الزواج) غير خطط الزوجة بإرادتها وليس بمقترح أو بإشارة منه «كنت في واشنطن أدرس في جامعة جورج تاون لنيل شهادة الدكتوراه التي حصلت عليها سنة 1949، وهذه ما أخر سفرتنا الأولى إلى بغداد، التي تمت بعد 3 سنوات من زواجنا، بينما كانت زوجتي تدرس في جامعة هارفارد لنيل شهادتها العليا في الهندسة المعمارية، ثم جئت أنا لأغير كل شيء (خربطت عليها) خططها الدراسية، وصار النصيب مثلما يقال، وتزوجنا عام 1946، الحمد لله والشكر، ورزقنا بأول بنت، ميسون، سنة 1947» يتطلع إلى لوحة زيتية بورترية لزوجته معلقة فوق الحائط الذي يتصدر غرفة المعيشة في شقته، ويعقب «كان زواجنا ثمرة حب عميق وحقيقي وهو أول وآخر حب أشعر به لأول وآخر امرأة في حياتي، لم أحب أي امرأة سوى زوجتي التي أحببتها منذ بداية شبابي، وتزوجنا وصار عندنا 3 بنات».
بعد أن أنهى عدنان دراسته العليا ونال شهادة الدكتوراه عاد إلى بغداد مع زوجته وابنته البكر، ولم يسكن في بيت العائلة مع والده ووالدته بل «سكنت في بيت صغير استأجرته من مصطفى العمري في منطقة الصليخ، بجانب الرصافة، وفي هذا البيت رزقنا بابنتنا الثانية، ريمة».
عندما ترك عدنان بغداد لأول مرة، حيث كان عمره 11 سنة، لم تكن في هذه المدينة حياة اجتماعية خارج حدود البيوت والبساتين أو المزارع الخاصة، باستثناء «بعض الفنادق التي تم افتتاحها من قبل المسيحيين مثل (هوتيل زيا)، و(هوتيل جبهة النهر) و(هوتيل كارلتون)، وغيرها، كما افتتحت بعض النوادي، وهذا كله حدث بعد الاحتلال البريطاني للعراق إذ كان الإنجليز من رواد مطاعم هذه الفنادق وكذلك كان العراقيون. العراقيون منفتحون ويحبون حياة السهر والأنس، لكن ما كان موجودا في بغداد لا يقارن بما كان موجودا في بيروت والقاهرة».
لكنه عندما عاد من واشنطن مع زوجته وابنته كانت الحياة الاجتماعية قد تغيرت وتطورت كثيرا، وعلى حد وصفه «زوجتي مثلا كانت سافرة (لا تضع عباءة أو حجابا)، وكنا نذهب إلى نادي العلوية، واحد من أرقى وأشهر نوادي بغداد الراقية ويقع في شارع السعدون بجانب الرصافة، وقد أنشأه الإنجليز حيث اشتروا عددا من البيوت وبنوا هذا النادي. وكانت عوائل أعضاء النادي تسبح بشكل مختلط من النساء والرجال، وهذه النشاطات الاجتماعية بدأت منذ الأربعينات وتطورت جدا في الخمسينات، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت نساء الطبقة الوسطى من زوجات وبنات الموظفين قد تركوا العباءة والحجاب كليا. أما اليهود في بغداد فقد كانت لهم نواديهم الفاخرة ومجتمعهم المترف الخاص كون غالبيتهم يعملون في التجارة وكانوا أغنياء ويملكون بيوتا فاخرة، كما كانت لهم مدارسهم ومتاجرهم ومستشفياتهم، وهذا لا يعني أنهم عاشوا منعزلين عن بقية العراقيين بل كانوا يختلطون معنا في نادي العلوية أو في الحياة الاجتماعية العامة».
لا نستطيع أن نحصل على شهادة حية عن المجتمع البغدادي في الأربعينات وحتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي، أفضل مما تحدث عنه ابن هذا المجتمع العارف بأسراره وتقسيماته، يقول الباجه جي: «كانت بغداد اجتماعيا منقسمة إلى قسمين، الأول يمثله الأغنياء الذين كانوا يسكنون في شارع النهر وقرب السراي حيث تقع القشلة، وشارع أبو نواس، أما الفقراء فكانوا يسكنون في سوق حنون والشواكة والحيدرخانة، وبقيت النساء هناك يرتدين العباءات ويضعن الحجاب (البوشي)».
بغداد عدنان الباجه جي نحن لم نعشها، بالنسبة لنا هي موجودة في الصور الأرشيفية والكتب والقصص الصحافية، أما بالنسبة له فهو يراها واضحة وجلية، يتتبع خرائط أحيائها وشوارعها، بالنسبة له هي بغداد التي عاشها بكل تفاصيل أحداثها «يعتبر حي البتاويين من الأحياء الجديدة إذ كان عبارة عن منطقة بساتين وحقول زراعية، بل إن كل الأراضي التي كانت تقع بعد منطقة الباب الشرقي (حيث نصب الحرية موجود اليوم في قلب بغداد) كانت عبارة عن بساتين وأراض زراعية. وكان هناك بستان اسمه (بستان الخس)، الذي كان يزدحم يوم السبت من كل أسبوع بالعوائل اليهودية، فالمعروف أن اليهود لا يعملون يوم السبت». كان الجانب الشرقي من ضفة دجلة، الرصافة ينمو بسرعة، بينما بقيت أحياء الكرخ تحافظ على وجودها التقليدي «ففي جانب الكرخ فكانت مثلا منطقة كرادة مريم، حيث يقع القصر الجمهوري والمنطقة الخضراء اليوم، عبارة عن بساتين وحقول، وأتذكر أن عم والدتي كان يدعونا أيام الجمع (جمعة) في بيته وسط مزرعة بكرادة مريم، وكانت من أملاك وبيت زوجته وهي من عائلة غنية (كت خدا) وهؤلاء من زعماء المماليك الذين حكموا بغداد مائة عام، وكانت المنطقة تسمى بـ(الكاورية) مع تعشيق الكاف، ومفردها الكاوور، وتعني باللغة التركية غير المسلم (الكافر)، وللوصول إلى هناك كان ذلك يتطلب رحلة طويلة إذ لم تكن هناك شوارع معبدة، ففي بغداد كان هناك شارعان معبدان (مبلطان) فقط، هما شارع النهر الذي يمتد إلى سوق السراي والقشلة، وشارع المتنبي وشارع الرشيد، وأنا أتذكر أن شارع الرشيد، وقبل تعبيده، كان يغرق بمياه الأمطار في الشتاء، فيجد الحمالون عملا لهم، وهو حمل الرجال على ظهورهم أو أكتافهم لإيصالهم إلى منطقة آمنة من المياه».
بعد حصوله على شهادة الدكتوراه وعودته إلى ديوان وزارة الخارجية، تم تعيين عدنان الباجه جي قنصلا للعراق في مدينة الإسكندرية، وهنا سيتنقل هذا الموظف الشاب في السلك الدبلوماسي العراقي ما يشبه المعجزة في النزاهة الوظيفية، يقول: «عينت قنصلا للعراق في الإسكندرية بمصر، وخصص لنا منزل جميل، وكان عندنا شاليه على البحر في شاطئ سيدي بشر، وكان هذا ملك القنصلية وليس ملكي، لكنني اكتشفت أن لا عمل لي أو للقنصل هناك، ووجودي لا مبرر له، فاقترحت في رسالة إلى وزارة الخارجية إلغاء القنصلية، وهذا الأمر يحدث للمرة الأولى، وربما لم يحدث بعد ذلك، فلم أسمع في حياتي أن رئيسا لبعثة دبلوماسية يقترح إلغاء القنصلية وبعثته، وبالفعل تم إلغاء القنصلية وعدت إلى بغداد حيث تم تعييني معاون مدير الدائرة السياسية لشؤون الأمم المتحدة والمؤتمرات في وزارة الخارجية، وكان رئيس الحكومة وقتذاك نوري السعيد».
لقد رفض جده من أمه كل المناصب التي عرضها عليه الملك فيصل الأول بدءا بوزير العدلية (العدل)، وانتهاء بعضوية مجلس الأعيان، لأنه كان يعتقد أن الوظيفة قد تحيده عن مبادئه الإسلامية، كما رفض والده الاستمرار في الوزارة، لأن الوصي كان مرتبطا مع البريطانيين الذين يحتلون العراق، فليس غريبا إذن أن يقدم عدنان الباجه جي على إلغاء البعثة الدبلوماسية التي كان يترأسها من أجل الإخلاص لمبادئه وبلده، وهو بذلك يعطي درسا عمليا في معنى النزاهة وتقاليد الوظيفة، «فالموظف العراقي في بداية تأسيس الدولة العراقية وما بعدها كان يشعر بالفخر والاعتزاز لكونه موظفا بالحكومة، ولم يكن يفكر في أن الوظيفة هي وسيلة لجمع المال والانتفاع والثروة، بل على العكس كان هناك تقليد مفاده بأن الوظيفة هي شرف وواجب، على الرغم من أن الرواتب الشهرية كانت بسيطة جدا، يعني خريج الجامعة الحاصل على شهادة البكالوريوس كان يتقاضى 18 دينارا في بداية تعيينه، والبقية من غير خريجي الجامعة كانوا يتقاضون 7 دنانير أو 10 دنانير شهريا»، من غير أن يجعلنا نتخيل أن الحكومة العراقية كانت تجسد جمهورية أفلاطون الفاضلة، يقول معترفا: «كان هناك فساد إداري، ليس هناك زمن يخلو من الفساد، لكنه كان في نطاق ضيق ومحصور للغاية وقليل، ويتمثل في أمور بسيطة مثل استغلال النفوذ، وهذا لا يعد ضمن قضايا الفساد في المقاييس الاعتيادية وليس مثلما يحدث اليوم في العراق حيث سرقة ملايين الدولارات من المال العام وغيرها، ما كانت هناك سرقات. وإذا ثبت على أي موظف في الدولة أنه أخذ رشوة، مهما كانت بساطتها فيفصل من وظيفته في الحال وينبذ اجتماعيا ويسقط بين أفراد المجتمع، حتى من قبل عائلته، أما اليوم فمن يسرق من الدولة ويأخذ الرشاوى فيفتخر ويقولون عنه (هذا رجال وبطل)، لهذا أستطيع القول إن موظفي الحكومة العراقية كانوا أقل فسادا بين موظفي الحكومات في الدول العربية، وكانوا أكثر كفاءة من أمثالهم في الدول العربية».
ويمضي متحدثا في هذا الجانب الذي يعتبره مهما للغاية من أجل بناء الدولة الحقيقية، يقول: «كان الموظف العراقي يفتخر بأنه يعمل في الحكومة ويفتخر بنزاهته، وإذا كتب الوزير مذكرة شكر أو ثناء بحق أي موظف، فإن ذلك يكون مدعاة للاحتفال والفخر والمزيد من الشرف. كانت هناك تقاليد وقيم وأخلاق وظيفية، وقد استمرت هذه التقاليد بين موظفي الحكومة العراقية حتى مجيء صدام حسين للحكومة حيث انقلبت الموازين وفلتت التقاليد، إذ تم تحويل الموظف إلى أداة طيعة في يد النظام السياسي، ومما فاقم الأوضاع سوءا هو فرض العقوبات الدولية والحظر على العراق، وقبل ذلك كانت إدارة الدولة العراقية تسير بشكل مقبول أو جيد، على الرغم من وجود الظلم والاعتقالات والإعدامات، لكنني أتحدث هنا عن الإدارة، لقد كانت هناك على الرغم من كل شيء، دولة، لكن العقوبات الدولية التي فرضت على العراق دمرت الوضع الاقتصادي في البلد، وراتب الموظف تدنى إلى 3 دولارات في الشهر، وهذا ما جعل الفساد يستشري في العراق».
يصر الباجه جي، وهو ابن جيل ساهم مع الرعيل الثاني من بناة العراق في تأسيس قيم صحيحة لمؤسسات الدولة العراقية، منبها إلى أن «الحضارة الجديدة بدأت في البلد مع العهد الملكي حيث تم إرسال البعثات والزمالات وتم بناء المدارس وصار هناك اهتمام بارز بالتعليم، وهذه كانت سياسة الملك فيصل الأول والحكومات التي جاءت من بعده. ومع مرور الوقت صارت هناك طبقة جديدة من الشباب المتعلمين، الذين لا ينتمون إلى عوائل غنية ومعروفة في بغداد أو الموصل أو البصرة، وبدأت الطبقة الوسطى تستوعب أشخاصا من الطبقة الفقيرة وحتى من الأرياف، وهذا أمر جيد بلا شك لأنه عمل على تقوية روح المواطنة والهوية العراقية، كما ساهم الجيش بلا شك مساهمة كبيرة في هذا الاتجاه كونه يساوي بين الجميع، من خلال التدريب والنوم في قاعات واحدة، ولا يفرق بين هذا وذاك، على الرغم من أن الطائفيين من الشيعة كانوا يقولون بأن الجيش سني، وهذا غير صحيح، فالحكومات والجيش حاول كثيرا استمالة الشيعة وزجهم في العمل الحكومي أو العسكري، خاصة أبناء شيوخ العشائر، لكنهم كانوا يمتنعون ويرفضون المشاركة في العمل مع الحكومة بسبب فتوى كانت قد أصدرتها المرجعية الشيعية وقتذاك حرمت على أتباعها العمل مع الحكومة باعتبارها مع المحتلين، لكنهم دخلوا في الحكومة فيما بعد، ومنهم ناجي طالب وهو ابن شيخ عشيرة. العراقيون ورثوا الفكرة الطائفية من العهد العثماني بسبب النزاعات بين الأتراك والفرس من أجل السيطرة على العراق».
كان عدنان الباجه جي في السابعة والعشرين عندما تم تعيينه معاون مدير الدائرة السياسية في وزارة الخارجية لشؤون الأمم المتحدة والمؤتمرات، يصفها باعتبارها «دائرة جديدة تأسست وقتذاك، فأنا بقيت أكثر من سنتين ببغداد بعد أن اقترحت إغلاق القنصلية العراقية في الإسكندرية. وفي عام 1953 تم تعيين سفير جديد في واشنطن وهو موسى الشابندر الذي كان وزيرا للخارجية في حكومة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، ثم تم إبعاده من الحكومة قبل أن يرضى عنه الوصي والحكومة فتم تعيينه سفيرا، فطلبني أن أذهب للعمل معه كسكرتير أول، وكانت وظيفتي متابعة الشؤون السياسية، وكانت هذه المرة الثانية لي أن أخدم في واشنطن، وبقيت هناك 4 سنوات أخرى، إذ كان هناك ملحق عسكري واقتصادي وشؤون القنصلية، وملحق ثقافي مسؤول عن البعثات الدراسية والطلبة الذين يدرسون هناك على حساب الحكومة العراقية، وهؤلاء كانوا يصلون بفضل درجاتهم وكفاءتهم، من غير أن ننكر وجود وساطات لكنها قليلة، يعني إذا طلب وزير مساعدة شخص ما، فإن طلبه يستجاب بحدود المعقول وتوفر الشروط، وليس على حساب الآخرين الذين يتمتعون بالكفاءة، وهذه الأمور لم تكن واضحة وبارزة لندرتها».
في أكثر من إشارة هنا وهناك يؤكد الباجه جي موضوع الكفاءة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب من غير أن تكون هناك تخمة في أعداد الموظفين، خاصة في السفارات العراقية، يقول: «كان عدد موظفي السفارة العراقية في واشنطن سنة 1945، مثلا قليلا جدا، إذ كان هناك السفير علي جودت الأيوبي والشخص الثاني مستشار السفارة العراقية سيف الله خاندان، وهو كردي عراقي لكنه عاش وأقام في إسطنبول ولا يعرف اللغة الكردية لكنه كان يتحدث العربية بلهجة تركية، وذات يوم التقى مع أحمد الشقيري في مناسبة وتحدث معه، فقال الشقيري: (أنا أستغرب ذلك أن مستشار السفارة التركية يتحدث العربية). وكان هناك أيضا عبد المنعم الكيلاني وهو أصغر أبناء عبد الرحمن الكيلاني (النقيب)، والمحاسب ياسين العمر، من البصرة، وموظف مسيحي وأنا الملحق الثالث. في المرة الثانية عندما عملت في السفارة بواشنطن كان عدد العاملين قد توسع إلى 10 أشخاص».
لم يفوت الباجه جي أي فرصة من غير أن يكتسب خلالها المزيد من المعارف والتجارب، وكانت فرص الاكتشاف المتاحة أمامه كثيرة، وتأتي تباعا، لكن أفضل هذه الفرص في حياته المهنية على الإطلاق هو عمله في الأمم المتحدة في نيويورك، نيويورك التي شغف بها، يقول: «إضافة إلى عملي في السفارة، فقد كنت أحضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ومنذ أول اجتماع استهوتني نيويورك، فهي مدينة فريدة، وعظيمة، وتتوفر فيها إمكانيات هائلة وحياة من نوع آخر (غير شكل)» إذ أحب مسارحها وصالات السينما فيها، ودور الأوبرا، وأبنيتها ومكتباتها ومقاهيها.
************************************************** *******************

ذاكرة العراق .. عدنان الباجه جي (الحلقة 5) : أكبر أخطاء العهد الملكي إعدام العقداء الأربعة
حُكم «العارفَين» الفترة الوحيدة التي لم يشهد فيها العراق إعدامات سياسية


ذاكرة العراقالباجه جي مع البابا بولص السادس وعلي حيدر سفير العراق لدى إيطاليا عام 1967

معد فياض
شقة واسعة في الطابق الثاني من بناية مترفة، مبنية بالطابوق الإنجليزي الأحمر، يعود تاريخ إعمارها إلى الزمن الباذخ بالمساحات والسقوف العالية، ومواقد التدفئة المزخرفة، عمارة تنتمي إلى الطراز الفيكتوري، وإن لم تكن قد بُنيت في ذاك العصر الثري بفنونه في واحد من الاحياء اللندنية الراقية والتقليدية برخائها (نايتس برغ) قبالة متنزه مستدير تقريبا يتمركز وسط عمارات متشابهة تماما، عمارات توائم لا يميّزها سوى أرقامها.

من خلال نافذة عريضة من تلك الشقة، تطل مباشرة على المتنزه المحاط بسياج حديدي أسود، يتطلع عدنان الباجه جي نحو الأشجار الغارقة وسط مطر يبدو أزليا في هذه المدينة، فوق صدره يسترخي كتاب باللغة الإنجليزية، لم نتبين عنوانه بوضوح، لكن موسيقى سيمفونية شهرزاد لمؤلفها ريمسكي كراساكوف تعلن عن نفسها بقوة، خصوصا عند الحركة الثانية عندما يبدأ الكمان المنفرد باستهلال القص السردي المستمد من ليالي بغداد التي ولد وترعرع فيها، وينتمي إليها الباجه جي.
ما من مرة التقيناه فيها عبر لقاءاتنا المطولة لجمع ضوء وأصوات وألوان وأشكال هذه الذاكرة إلا وجدناه منشغلا بثلاثة أمور، أو ربما هي الأمور التي تشغله راهنا، العراق ومتابعة أخباره، إذ كان ينقطع الحديث ليرد على اتصال قادم من بغداد ليدخل خلاله في نقاش عما يجب أن يحدث أو سيحدث، والقراءة، فلا بد من كتاب مفتوح فوق حضنه ويزاح برفق، كما طفل وديع، إلى المكتب أو فوق الكرسي المجاور مؤجلا إتمام قراءته إلى وقت قريب، والأمر الثالث المهم جدا هو الموسيقى الكلاسيكية، «سماع الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا من أولى أولوياتي»، يوضح الباجه جي.
نفتح من بين زحام الصور والأحداث والأصوات والتواريخ ثغرة هنا فتتوسع هناك لتتحول إلى غابة من الحكايات، تماما مثلما فعلت صورة، مجرد صورة كانت قد أظهرتها له الأميرة بديعة ذات يوم قريب. فقبل أكثر من عامين، كان عدنان الباجه جي على موعد لزيارة الأميرة بديعة، خالة الملك فيصل الثاني، وشقيقة الأمير عبد الإله، الذي كان وصيا على عرش العراق، ووالدة الأمير علي، رئيس الحركة الدستورية الملكية والذي كان يعمل قبل الإطاحة بنظام صدام حسين على استعادة عرش العراق، ثم انتهى به المطاف مرشحا للبرلمان ضمن قائمة الائتلاف الوطني التي يترأسها إبراهيم الجعفري. وبينما كان الباجه جي يتجاذب أطراف الحديث مع الأميرة بديعة، فاجأته بصورة قديمة تجمعه مع الأميرة والأمير عبد الإله، وسألته إذا كان يتذكر هذه الصورة أم لا، «كانت هذه المرة الأولى التي قابلت فيها عبد الإله قبل أن يكون وصيا على عرش ابن أخته الملك فيصل الثاني» يقول عدنان الباجه جي «حيث كنت مسافرا من الإسكندرية إلى إيطاليا بواسطة الباخرة، وبالمصادفة كان الأمير عبد الإله وشقيقته الأميرة بديعة على نفس الباخرة، وقبل أكثر من عامين زرت الأميرة بديعة هنا في لندن وقد عرضت لي صورة قديمة تجمعنا، الأميرة بديعة والأمير عبد الإله وأنا خلال لقائنا على ظهر الباخرة وسألتني إذا كنت أتذكر هذه الصورة أم لا»، هذه الصورة فتحت في ذاكرته نفقا قاده إلى تلك الأيام الخوالي، أيام وسنوات العلاقات الاجتماعية بين عائلته والعائلة المالكة، موضحا: «كانت تربطنا بهم علاقات اجتماعية، فوالدتي كانت تزورهم، ووالدي كان مقربا من الوصي على الرغم من أنه اختلف في ما بعد مع الملك والوصي لكننا بقينا مقربين من العائلة المالكة».
عدنان الذي كان قد قابل في طفولته الملك فيصل الأول، كان يقابل كذلك حفيده الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله: «كنت أقابلهم باعتباري عدنان الباجه جي، وهم كانوا يأخذون في الاعتبار كوني ابن مزاحم الباجه جي من جهة وكوني كنت موظفا في منصب رفيع، فقد كنت أطلب مقابلة الملك أو الوصي فتتم الموافقة».
كلما ورد ذكر اسم الوصي عبد الإله، ينبه الباجه جي إلى أن «الوصي كان حقودا» ودافعه الأخلاقي يدفعه للقول: «أنا لم أعرفه شخصيا أو عن قرب، لكنني كنت أسمع أنه كان حقودا ومنفعلا باستمرار، وهو سبب إعدام الضباط الأربعة الذين كانوا مع رشيد عالي الكيلاني، إذ أصر (الوصي) بالدرجة الأولى ثم الإنجليز على تنفيذ حكم الإعدام بهم، فبعد فشل حركة الكيلاني شكل جميل المدفعي الحكومة، وطلب الوصي منه محاكمة الكيلاني والضباط الأربعة والتنكيل بهم لكنه رفض وقدم استقالة حكومته، فجاء بعده نوري السعيد الذي يلام على موقفه من قضية إعدام الضباط إذ كان يجب عليه أن يعترض ويقف في وجه التنفيذ، لكنه (نوري) مشى معهم ونفذ ما يريدون». وحسب اعتقاد الباجه جي وساسة عراقيين آخرين فإن تنفيذ هذه الأحكام بحق شخصيات وطنية عراقية وقفت في وجه الاستعمار البريطاني «ولّد كراهية لدى العراقيين ضد الوصي والسعيد، وقد دفعوا حياتهم ثمنا لذلك يوم 14 يوليو تموز 1958».
في 25 مايو (أيار) 1941، وعلى أثر فشل الحركة الثورية التي قام بها الكيلاني مع ما سمي بضباط المربع الذهبي برئاسة العقيد صلاح الدين الصباغ وهم كل من فهمي سعيد ومحمود سليمان وكامل شبيب، ويونس السبعاوي، والتي أجبرت الوصي على الهروب من العراق إلى بريطانيا، غادر الكيلاني إلى ألمانيا عبر تركيا ومن ثم انتهى به المستقر في المملكة العربية السعودية، بينما هرب الضباط الأربعة إلى إيران، مما شجع الوصي على العودة إلى العراق إذ هبطت طائرته في قاعدة الحبانية الجوية (قرب مدينة الرمادي) التي كانت تابعة للقوات البريطانية ليبدأ فصل طويل من الانتقامات الدموية، إذ تم الحكم بالإعدام غيابيا على الكيلاني وكل من الصباغ وسعيد وسليمان وكامل شبيب.
وفي 4 مايو 1942، سلمت بريطانيا كلا من يونس السبعاوي ومحمود سلمان وفهمي سعيد إلى الحكومة العراقية بعد أن ألقت القبض عليهم في إيران، وشكلت محكمة عسكرية سريعة أعادت محاكمتهم في نفس اليوم أمام المجلس العرفي العسكري، الذي أيد الحكم السابق الصادر في حقهم، والقاضي بإعدامهم، ونُفّذ بهم الحكم في اليوم التالي المصادف 5 مايو 1942، بحضور عبد الإله ونوري السعيد.
ويقال إن والدة السبعاوي «ذهبت دون علم ولدها إلى والدة الوصي وتوسلت إليها لإنقاذ ابنها الوحيد من حبل المشتقة، إلا أن أم عبد الإله ردتها بكلمات تركية وبعصبية وخشونة، فوقفت أم السبعاوي بشموخ وإباء وارتدت عباءتها ورفعت يدها قبل أن تنصرف واتجهت ببصرها إلى السماء قائلة والعبرة تخنقها: (أسأل الله أن يكون مصير ولدك كمصير ولدي)».
كان الحزن يسيطر على العراقيين ذلك اليوم، وكان الحقد والغضب على حكومة نوري السعيد وعبد الإله والمحتلين البريطانيين يتطاير كالشرر من أعينهم، مما ألقى الرعب في نفوس أولئك القتلة لدرجة أن نوري السعيد لازم داره شهرا كاملا، خوفا من غضب الجماهير. وقد رثى الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي الضباط الثلاثة بقصيدة لاقت انتشارا واسعا بين الناس، وقد فوجئ الوصي بهذه القصيدة مدسوسة بين بريده الرسمي اليومي، وقرأها حتى بلغ الأبيات التي يقول فيها الشاعر:
* شنقوكمْ ليلاً على غير مهلٍ ـ ثم دسّوا جسومَكم في الرموس
* هكذا الخائف المريب يواري ـ فعلة السوء منه بالتغليس
* فاستحَقّوا اللعن الذي كررته ـ خاليات القرون في إبليس.
حتى امتقع وجهه ولم يستطع مواصلة قراءتها وثارت أعصابه وأمر بإجراء تحقيق عن كيفية تسلل هذه القصيدة إلى مكتبه ومعاقبة الموظفين عن ذلك بأقسى العقوبات.
بعد تنفيذ تلك الأحكام طلبت حكومة نوري السعيد من بريطانيا إعادة المعتقلين في جنوب أفريقيا والذين تم نفيهم من قبل البريطانيين وبينهم عدد من أعضاء وزارة الكيلاني التي سُميت بحكومة الإنقاذ الوطني، وأعيد في 16 أغسطس (آب) 1944 الحكم على شبيب بالإعدام من قِبل المجلس العرفي العسكري، ونفذ الحكم فيه في اليوم التالي من غير أدنى انتظار.
أما صلاح الدين الصباغ، فقد فرّ إلى تركيا، وبقي هناك حتى عام 1945، حيث سلمته الحكومة التركية، تحت الضغط الشديد من الحكومة البريطانية، إلى الحكومة العراقية، في أكتوبر (تشرين الأول) 1945، وجيء به إلى بغداد، وأمر الوصي عبد الإله بشنقه أمام وزارة الدفاع صباح يوم 16 أكتوبر، وبقي معلقا فوق مشنقته لعدة ساعات، وحضر الوصي لمشاهدته، والشماتة به.
يعتبر الباجه جي أن «أكبر الأخطاء التي ارتُكبت في العهد الملكي هو إعدام العقداء الأربعة (ضباط المربع الذهبي)، وقادة الحزب الشيوعي العراقي. بل إن أكبر خطأ يرتكبه الحكام هو إعدام الخصوم أو تصفيتهم بسبب أفكارهم السياسية، لأن ذلك سيرد عليهم، ولنأخذ حقائق ذلك بدءا بعبد الإله ونوري السعيد وعبد الكريم قاسم وحتى صدام حسين»، منبها إلى أن «الفترة الوحيدة في تاريخ العراق التي لم يتم خلالها إعدام أي شخص بسبب الأفكار السياسية هي فترة حكم العارفَين، الرئيسين العراقيين الأسبقين، عبد السلام وعبد الرحمن عارف، فمنذ أن قام عبد السلام عارف بإقصاء البعثيين عن الحكم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1963، التي يسميها البعثيون بالردة التشرينية السوداء، وحتى سيطرة البعثيين على الحكم في 17 يوليو (تموز) 1978 لم يسجل إعدام أي عراقي لأسباب سياسية، لكن ذلك حدث في العهد الملكي وفي زمن عبد الكريم قاسم، وطبعا في عهد البعث وصدام حسين. في عهد العارفين كان هناك نوع من التساهل والتسامح، كما أن وجود شخصية سياسية قانونية مثل عبد الرحمن البزاز أثر كثيرا في هذا الموضوع».
ويسجل الباجه جي اعتراضاته على سياسة الوصي التي كانت تريد إبعاد العراق عن حاضنته العربية على العكس من سياسات وحرص الملك فيصل الأول ونجله الملك غازي، كما أن الأمير عبد الإله لم يعطِ الفرصة للملك فيصل الثاني بممارسة الحكم، إذ استمر وصيا عليه ومتنفذا حتى بعد أن بلغ الملك الثامنة عشرة من عمره وتم تتويجه دستوريا، يقول: «كان الوصي يتدخل كثيرا في شؤون الحكومة والبرلمان وحتى الانتخابات، بل إنه كان يسعى لدعم تشكيل حزب يكون قريبا من البلاط وتابعا له». ويعد، أيضا، «من أفدح أخطاء الوصي مسألة الاستمرار في الارتباط ببريطانيا من خلال المعاهدات أو حلف بغداد الذي أنشأته بريطانيا للوقوف بوجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط خلال الخمسينات، وضم كل من العراق وبريطانيا وإيران وباكستان إلى جانب المملكة المتحدة، بعد العدوان الثلاثي على مصر أو تأييد أي عدوان على البلدان العربية».
ومثل الكثير من الوطنيين العراقيين الذين كانوا يعتبرون حلف بغداد تكوينا استعماريا، يرى الباجه جي أن «حلف بغداد كان يستهدف الاتحاد السوفياتي والوقوف في وجه المد الشيوعي»، موضحا أن «جون فوستر دالاس، وزير خارجية أميركا، في رئاسة إيزنهاور، كان يعتبر الشيوعية هي الخطر الأكبر، ويجب مكافحتها بكل الوسائل، لهذا أراد تطويق الاتحاد السوفياتي والصين بأحلاف مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، فقد كان حلف الناتو موجودا في أوروبا، وهناك حلف شرق آسيا ضد الصين الشعبية، وحلف بغداد الذي سُمي بعد انسحاب العراق بالحلف المركزي (سنتو)، والظاهر أن نوري السعيد اقتنع بهذه الأفكار إذ كان يعتبر الشيوعية هي الخطر الأكبر على العراق، وهذه أحد أخطائه الكبيرة، وصار عنده هوس في موضوع الشيوعية مع أن الشيوعيين العراقيين لم يكونوا يشكلون خطرا عليه أو على العراق».
ويتذكر أن «دالاس كان قد زار بغداد. وقتذاك كنت أعمل في وزارة الخارجية، أي قبل سفري ثانية إلى واشنطن، وطلب مني وكيل وزارة الخارجية يوسف الكيلاني أن أكتب مذكرة باللغة الإنجليزية لتقديمها إلى دالاس وتتعلق بمطالب العراق حول قضية فلسطين، لم يكن عندنا أي شيء أو شاغل سوى هذه القضية، ولم تكن هناك أي مشكلة بين العراق وأميركا، بل إن علاقاتنا الثنائية كانت طبيعية، مشكلتنا الأساسية كانت فلسطين، والعراق كان يعتبر نفسه مسؤولا عنها، لهذا كان الأحرار الفلسطينيون يأتون دائما إلى العراق، وفي مقدمتهم المفتي».
وتأكيدا على ما ذكره الباجه جي، فإن «العراق خلال اجتماع للدول الإسلامية في ميثاق حلف بغداد في أنقرة، لم تحضره بريطانيا باعتباره كان مخصصا للدول لإسلامية فقط، ومثّل العراق فيه وزير الخارجية علي ممتاز نيابة عن رئيس الوزراء، ووكيل وزارة الخارجية يوسف الكيلاني، وأنا، وكانت غالبية الخطابات والأحاديث باللغة الإنجليزية، وأنا كنت المترجم، فقد كنت أترجم (بكيفي) مثلما أريد، يعني كنت أسترسل وأشرح من غير الخروج عن الفكرة الأساسية، وكان هدفنا الأساسي هو استمالة الدول الإسلامية، تركيا وباكستان وإيران، الذين كانوا حلفاء للأميركان والإنجليز، لاستخدام نفوذهم والضغط من أجل قضية فلسطين، وأتذكر جيدا نص حديثنا مع رئيس وزراء تركيا عدنان مندرس، الذي أُعدم إثر انقلاب عسكري أطاح به عام 1960، ومن حزب مندرس تفرعت كل الأحزاب التركية الإسلامية، وقد كان قد فاز في الانتخابات ضد حزب الشعب، حزب كمال أتاتورك».
في منتصف الخمسينات انشغلت الإدارة الأميركية وحتى بريطانيا بالخوف من المد الشيوعي في الدول العربية، وبخاصة في سورية، حسبما يكشف الباجه جي، إذ «كان موضوع سورية شاغل الأميركان عندما اكتشفوا أن النفوذ الشيوعي يزداد في هذا البلد، وكان يؤيدهم في هذه المخاوف كميل شمعون، رئيس لبنان. وفي عام 1957 قالوا إنه يجب أن يقوم حلف بغداد، بعمل ما لوقف هذا النفوذ (الشيوعي)، وكانت هناك فكرة لتدخل عسكري في سورية». ولكن كيف سيتم تمرير هذا المقترح أو القرار المبطن كمقترح على الحكومة العراقية التي كان يترأسها علي جودت الأيوبي حيث عرفت بمواقفها العروبية القومية، حتى إن «الأيوبي وقف الحملات الإذاعية ضد مصر وعبد الناصر، وأنهى هذه الإجراءات تعبيرا عن مواقفه القومية».
وتأكيدا لمواقف رئيس الوزراء العراقي، الأيوبي، يذكر الباجه جي هذه الحادثة التاريخية «فقد كان رئيس الوزراء الأيوبي في إسطنبول وقتذاك في زيارة مع الملك فيصل الثاني، والتقى هناك وكيل وزارة الخارجية الأميركية الذي طرح على الأيوبي مشروع التدخل العسكري من قِبل حلف بغداد في سورية، فرفض الأيوبي هذا المشروع وقال له (ما دمت أنا رئيسا لوزراء العراق فسأرفض أي تدخل عراقي في الشأن الداخلي السوري)».
لم يكتفِ رئيس الوزراء العراقي بما أظهره من موقف عربي شجاع وبما أبلغ به نائب وزير الخارجية الأميركي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، «فعندما عاد الأيوبي عن طريق البحر من إسطنبول إلى بيروت ذهب من هناك عن طريق البر إلى الشام (دمشق)، والتقى رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، الذي كان من الرعيل الأول من القوميين العرب وعضو في جمعية الفتاة العربية، وكدعم من العراق لسورية، صرح الأيوبي من دمشق قائلا: (إذا حدث أي تدخل عسكري في سورية فإن العراق لن يقف مكتوف اليد)، وبالتأكيد كان هذا الموقف الواضح قد أغضب الأميركان كثيرا، لهذا طلبوا من عبد الإله الذي كان لا يزال يسيطر على العرش على الرغم من انتهاء وصايته ووجود الملك فعليا، إزاحة الأيوبي عن رئاسة الوزراء».
يتذكر الباجه جي قصة تعبر عن مدى نزاهة رئيس الوزراء العراقي والحكومة وقتذاك: «فعندما عاد الأيوبي من إسطنبول إلى بيروت لم يذهب إلى بغداد كما هو مقرر في جدول زيارته الرسمية بل قرر الذهاب إلى دمشق، كما ذكرت، لهذا طلب من السفارة العراقية في لبنان تأجير سيارة لتقله إلى الشام، وهذا ما حصل، ومن هناك عاد إلى بغداد، بعد فترة قصيرة من عودته وصله إشعار من وزارة المالية بقطع عشرة دنانير من راتبه الشهري وهي بدل إيجار السيارة التي أقلته من بيروت إلى دمشق باعتبار أنه موفد من بغداد إلى بيروت ثم إلى إسطنبول وبالعكس، ولم يكن في جدول الإيفاد الرسمي ما يشير إلى رحلته إلى دمشق، وبالفعل دفع المبلغ بلا أي نقاش».
وكدليل قوي على تدخل عبد الإله في شؤون الحكومة، وهو تدخل غير دستوري وكان مدعوما من قِبل البريطانيين، وعلى الرغم من وجود ملك دستوري للبلد فإنه «بعد عودة الأيوبي عمل على إجراء انتخابات واقترح على عبد الإله إشراك المعارضة في الحكومة ليكون هناك نوع من الانفتاح وإشراك قوى وطنية أخرى، لم يوافق الوصي على ذلك، لهذا قدّم الأيوبي استقالته».
ولنا أن لا نتخيل أن تعامل الحكومة مع عدنان الباجه جي، نجل رئيس الوزراء الأسبق مزاحم الباجه جي والمعارض وقتذاك، وصهر رئيس الوزراء علي جودت الأيوبي والذي كان قد قدم استقالته توا، قد تغيرت سلبا، بل العكس، فقد كانت هناك قيم وظيفية ومبادئ أخلاقية تحترم الكفاءات والعاملين حسب عطائهم، وهذا ما يوضحه بنفسه: «بقيت في ديوان رئاسة الوزراء شهرين ثم سقطت الوزارة بعد أن قدم الأيوبي استقالته وجاءت وزارة عبد الوهاب مرجان فتم أعادتي إلى وزارة الخارجية وعينت مديرا عاما لدائرة العلاقات الدولية ولم تغير الحكومة التعامل معي على الإطلاق، كانت هناك قيم واحترام وأصول ومبادئ، وليس مثل ما يحدث اليوم من انتهاج سياسة كسر العظم والإقصاءات».
وكان رئيس الوزراء يتصرف في الشارع وبين الناس باعتباره مواطنا اعتياديا «لا فخفخة ولا حمايات» مثلما يذكر نجل وصهر رئيسين سابقين للوزراء، والناس كانوا يتعاملون معه باحترام لشخصه لا لمنصبه، يقول: «لم تكن لرئيس الوزراء حماية باستثناء شرطي يجلس قرب السائق عندما يخرج رئيس الوزراء من مكتبه، وغالبا ما كان رئيس الوزراء يطلب من الشرطي البقاء وعدم مرافقته.كان هناك مرافق عسكري برتبة ضابط أحيانا يرافق رئيس الوزراء، والتنقل كان يتم بسيارته الخاصة لا بسيارة الحكومة، كما أنه لم تكن هناك سيارة ترافقه سواء أمام سيارته أو خلفها، كانت المظاهر الحكومية تتسم بالبساطة. أذكر لكم حادثة كتبت عنها الصحف وقتذاك، حيث كان والدي والأيوبي رئيسَي وزراء سابقين، وكانا غالبا ما يتمشيان في شارع الرشيد للتسوق، ويذهبان إلى بقال لشراء الفواكه وبقية المواد بلا حماية وبين الناس. بغداد كانت آمنة والناس بسطاء وطيبين».
وفي إطار مقارنة غير مخطط لها، يذكر الباجه جي أن «راتب رئيس الوزراء كان وقتذاك 120 دينارا شهريا، وكانت هناك مخصصات سرية بسيطة وخاضعة للرقابة، واي فلس يتم صرفه يجب أن تكون له وصولات وتسجيل، لا توجد مقارنة بين أوضاع ذاك الزمن والآن، فبالإضافة إلى الرواتب الضخمة للغاية التي يتقاضاها رئيس الوزراء اليوم فإن تحت تصرفه الشخصي ملايين الدولارات وضعت في الميزانية تحت بند (المنافع الاجتماعية) ولا أحد يسأل عن مصير هذه الملايين وكيف يتم صرفها وإلى أين تذهب. المسؤولون في الحكومة اليوم كانوا قبل فترة بسيطة لا يملكون أي شيء، واليوم يملكون العقارات في كل مكان ويشترون القصور بملايين الدولارات».
«طبعا، جلبتها معي من أميركا وكانت (بونتياك)، كان لونها رصاصيا وسيارة اعتيادية وقت ذاك، فحسب القانون كان من حقي - ومن حق أي موظف يعمل في الخارج - أن أجلب معي سيارة من البلد الذي كنت أعمل فيه، أما أول سيارة اشتريتها عام 1946 في واشنطن وبعد زواجي فكان نوعها (ستودي بيكر)، ثم اشتريت سيارة (فورد)، وعندما انتهى عملي قنصلا في الإسكندرية أخذت معي إلى بغداد (بيوك كونفرتبل)».
ويدفع الباجه جي عن نفسه الاتهامات التي كانت تصفه بالمُعادي للحكم الملكي وبأنه كان يؤيد قيام حكم جمهوري: «لا، لا، أنا ما عندي ميول جمهورية مثلما يقال، على الرغم من أن والدي كان يتمتع بهذه الميول، بل إنهم اتهموه (مزاحم الباجه جي) بأن ميوله اشتراكية، وأنا لا أعتقد ذلك، وعندما كان رئيسا للبعثة الدبلوماسية للعراق في لندن خلال العشرينات كان عضو شرف في حزب العمال البريطاني».
ويعبّر عدنان عن تصوراته السابقة، وحتى اللاحقة، عن الحكم في العراق قائلا: «أنا كنت أتصور أن يكون في العراق نظام ملكي دستوري وأن يكون نفوذ الملك محدودا وأن تتشكل الحكومات بعد فوز أحزابها بالانتخابات، ربما كان هذا نوعا من التفاؤل في غير محله (يضحك)، وحتى اليوم أنا لا أجد أي خيار للعراق والعراقيين سوى الديمقراطية على الرغم من مشكلاتها وكونها تشكل مجازفة فالشعب ليس دائما أو شرطا أن يختار الأكثر صلاحية، بل على العكس في كثير من الأحيان يختار الأسوأ». لكنه ما كان يتخيل في يوم من الأيام أن يصل العراق إلى ما وصل إليه اليوم: «لا، لا، ما وصل إليه العراق من أوضاع اليوم لا يصدَّق، خبرتي وتجربتي في العراق لم تجعلني أتصور أو أتخيل السوء الذي وصل إليه وضع الحكم في العراق اليوم وما يحدث على الإطلاق».
************************************************** ****************
ذاكرة العراق .. عدنان الباجه جي (الحلقة 6) : الباجه جي: مشكلاتنا مع إيران عويصة.. وهي مصدر متاعب للعراق
بريطانيا ودول الحلفاء ظلمت العراق عند تأسيسه بحرمانه من منفذ بحري


ذاكرة العراقعدنان الباجه جي مع أحمد الشقيري في الأمم المتحدة ذاكرة العراقالباجه جي في شقته بلندن

معد فياض
كانت المسافات تمتد أمامه سهلة، لكنه كان يجيد الإسراع لبلوغ أهدافه، يملك المفاتيح السرية للأبواب الأكثر انغلاقا، فيجد المتعة بفتحها والعبور إلى الداخل.. مفاتيحه السرية لم تكن سوى كفاءته وجديته في العمل ومواصلته بالمضي دون كلل أو يأس أو تراجع.

أبواب الأمم المتحدة كانت الأكثر تعقيدا وصعوبة، لهذا أحبها، وإذا كان عمله في بداية شبابه، وفي أول وظيفة له في وزارة الخارجية كمستشار ثالث في السفارة العراقية في واشنطن، النهر الذي عبر من خلاله نحو الضفة الأخرى، أميركا، فإن العمل في الأمم المتحدة، بين أروقتها ولجانها وممثلي كل دول العالم، كان بمثابة البحر الذي شق عبابه على مدى ما يقرب من 20 عاما.
كان عمره لا يزيد على الثالثة والعشرين عندما دخل إلى عالم الأمم المتحدة، يشرح موضحا: «حين توليت عملي في شعبة الأمم المتحدة في وزارة الخارجية في بغداد كان مما لفت انتباهي المواضيع الكثيرة المتشعبة التي تبحث في هذه المنظمة الدولية وهيئاتها الرئيسية ووكالاتها المتخصصة ولجانها الكثيرة، ولم يكن من السهل استيعابها والإلمام بها».
كان الباجه جي على موعد مع اكتشافات جديدة، اكتشاف مدينة ساحرة أخرى، واكتشاف طاقاته في العمل، وهذه المرة كانت باريس، المدينة التي ستسحره «عينت عضوا مناوبا في الوفد العراقي إلى الدورة السادسة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي التأمت في باريس من 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1951، وحتى أواسط فبراير(شباط) 1952.
كان رئيس الوفد وزير الخارجية، فاضل الجمالي، وباريس استهوتني، حيث سافرت إليها وحدي (يضحك) يعني ليس مع زوجتي، وكنت شابا وعمري 28 سنة، كانت الأشهر الثلاثة التي قضيتها في باريس لا تنسى، إذ تم تنسيبي إلى اللجنة الخامسة التي تنظر في أمور ميزانية الأمم المتحدة والمسائل الإدارية، ويعتبر العمل في هذه اللجنة مملا، إلا أنني تعلمت الكثير عن المنظمة الدولية وطريقة عملها. ووقتذاك لم يكن هناك أي فساد مالي في هذه المنظمة الدولية، بل على العكس كانت موصوفة بالنزاهة، لكنها عندما توسعت وكثر عدد الموظفين صار من الصعب مراقبة كل واحد، والفساد المالي الحقيقي بدأ عندما وضعت تحت تصرفهم أموالا ضخمة هي واردات النفط العراقي ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء».
المدن مثل النساء، لا أدري أن كان عدنان الباجه جي قد أورد هذا الوصف، أم أن أسلوب حديثه عن المدن هو الذي أوحى لي بهذا التشبيه، فهناك مدن تحبها، وتعشقها، وتتآلف معها وتكتشف أسرارها من دون عناء كبير، ومدن أخرى تشعر بأنك غريب بها مهما عشت فيها. بغداد هي الأم للباجه جي، هي التي ولدته وحنت عليه وترعرع في أحضانها، أما واشنطن فبقيت بمثابة الصديقة التي يختلف معها أحيانا، بل في أحايين كثيرة، وباريس عشيقة سريعة لا ينسى جمالها وعطرها وألوان أزيائها، لكن المدينة التي أغرم بها ووقع بحبها هي نيويورك التي ما إن يتركها حتى يعود إليها، ولكثرة ما يتحدث عنها ويتغزل في حضارتها، تتخيل صدى صوت المغني الأميركي فرانك سانترا يتردد في المكان وهو يغني «نيويورك.. نيويورك»، يقول: «في الدورة السابعة للجمعية العامة التي انعقدت في بناية المقر الجديد على ضفة النهر الشرقي في نيويورك واستمر عملها من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) 1952، نسبت مرة أخرى للعمل في اللجنة الخامسة، في هذه المرة كان إسهامي أكثر طموحا وازدادت ثقتي في نفسي. كانت تلك إقامتي الأولى الطويلة في نيويورك وهي كانت، وربما لم تزل، أكثر المدن المثيرة في العالم. وسرعان ما سحرتني هذه المدينة. ومنذ ذلك الوقت ارتبطت بالأمم المتحدة، أحببت العمل فيها، وفضلت العمل مع دبلوماسية متعددة الأطراف، أكثر من العمل مع دبلوماسية ثنائية، مع دولة واحدة، وبالفعل هناك عشت وعملت وشاهدت كل العالم الذي كان معي وأمامي وحولي، وعشت كل قضايا العالم، من أفريقية إلى آسيوية إلى أوروبية ومشكلات الحرب الباردة والقضايا العربية. وأخذت منذ ذلك الحين أحتضن في صدري طموحا خفيا بأنني سأغدو ذات يوم ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة».
ويتحدث بشغف بالغ عن عمله «كانت من أهم القضايا التي بحثت هي قضية فلسطين، ومسألة تونس، والمغرب التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي، ومن مشكلات العالم كانت هناك قضية كوريا، والمشكلات بين باكستان وأفغانستان، وقد استهواني العمل جدا هناك، وصرت أشارك في الاجتماعات سنويا حتى عام 1953، إذ تم تعييني في الأمم المتحدة، وأبرز القضايا عملت فيها بعد ميزانية الأمم المتحدة هي قضايا الاستعمار، حيث كان لي دور مهم جدا في هذه اللجنة. وفي يونيو (حزيران) 1953 نقلت للمرة الثانية إلى السفارة العراقية في واشنطن بناء على طلب السفير الجديد، موسى الشابندر. وشغلت منصبي هذا في أواسط أغسطس (آب)، ولم تمض سوى 4 أسابيع حتى غادرت عضوا في الوفد العراقي إلى الدورة الاعتيادية الثامنة للجمعية العامة التي عقدت من سبتمبر (أيلول) وحتى ديسمبر (كانون الأول) 1953، فبالإضافة إلى عملي في اللجنة الخامسة (الميزانية) أسند إلي تمثيل العراق في اللجنة الرابعة التي تنظر في مسائل الوصاية والمستعمرات».
تتلمذ الباجه جي على مبادئ والده وأبناء جيله من الوطنيين المناهضين للاستعمار، وعرف لوعة ومعاناة أن يكون الشعب، أي شعب، تحت نير الاستعمار، لهذا أحب العمل في هذه اللجنة (الرابعة) وتفانى من أجل مساعدة الشعوب المستعمرة، حتى أنه يصف اللجنة الرابعة، بقوله: «كانت هذه اللجنة ذات حيوية وأهمية خاصة للشعوب الرازحة تحت الاستعمار، وقد أحببت العمل في هذه اللجنة التي مثلت العراق فيها منذ عام 1955، ولجنة أخرى اسمها البلاد غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وعندما تصديت لقضايا الاستعمار والتحرر كسبت سمعة طيبة، فبموجب ميثاق الأمم المتحدة كان على الدول التي تستعمر بلدانا أخرى، أن تقدم سنويا تقارير اقتصادية واجتماعية وثقافية عن هذه الدول، وهذه اللجنة تدرس التقارير وتقيمها وتحيلها إلى اللجنة الرابعة التي بدورها تقوم بدراستها وتقديم التوصيات إلى الجمعية العامة لاتخاذ القرارات على ضوئها. وفي عام 1959 أصبحت المندوب الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة، حيث كان العام الذي يليه 1960 مهما حيث قدم نيكيتا خروشوف، الزعيم السوفياتي، للأمم المتحدة مشروعه لإصدار بيان يمنح الاستقلال للدول الخاضعة للاستعمار، وكان لي إسهام فاعل في صياغة هذا البيان الذي بموجبه شكلت المنظمة الدولية لجنة (تصفية الاستعمار) وصار العراق عضوا فيها، وقد حاولت بعثة المملكة المتحدة عرقلة عضويتنا في هذه اللجنة ولم يستطيعوا، كما بذلوا جهودا حثيثة لعرقلة رئاستي اللجنة الرابعة وفشلوا في ذلك، وهناك تقارير من بعثتهم إلى وزارة الخارجية وبالعكس وتمكنت من قراءة هذه التقارير بعد الكشف عنها قانونيا، وسبب محاولاتهم هذه لأنني كنت من أشد المناهضين للاستعمار، حسبما وصفوني في تقاريرهم».
ويعتبر الباجه جي اعتراض الدول الاستعمارية على ترشيحه رئيسا للجنة تصفية الاستعمار، وفي مقدمتها بريطانيا، خير شهادة على نجاحه في عمله، ونستل مقتطفات من الوثائق البريطانية السرية التي تحررت من سريتها عام 1991 رسالة بعثة المملكة المتحدة في الأمم المتحدة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 2 فبراير (شباط) 1960، جاء فيها:
«ليس من السهل قبول ترشيح السيد الباجه جي. إنه من أشد خصومنا البارزين بشأن قضايا الاستعمار. وهو سريع البديهة وقدير، وله معرفة واسعة بمسائل الإجراءات. وفي حين أن من المهم على وجه الخصوص للجنة الرابعة أن يكون رئيسها كفؤا، (وسيكون السيد الباجه جي كذلك)، فإن من المرغوب فيه كذلك أن يكون هذا الرئيس شخصا لا يشعر بأنه ملزم بأن يقرر ضدنا في أمور قد تعرض على اللجنة، ولها علاقة باختصاصها. فمن وجهة النظر هذه نفضل - نحن - أن يشغل رئاسة اللجنة هذه أحد ممثلي الأقطار اللاتينية الجيدين، أو من أقطار أوروبا الغربية غير الاستعمارية. لكنني أخشى أن يكون السيد الباجه جي قد حصن وضعه الآن كثيرا وأن فرص إبداله بغيره ليست جيدة».
بعد أكثر من 10 أيام يكون رد وزارة الخارجية البريطانية، وفي محضر اجتماع عقد في مقر الوزارة في لندن في 13 فبراير (شباط) 1960، ما يلي:
«على الرغم من التعليق المتشائم الوارد من بعثتنا في نيويورك ومفاده أن فرص إبدال السيد الباجه جي بغيره ليست جيدة، فأنا أرى أن هذا هو ما يجب أن نقوم به وعلينا أن نبدأ محاولاتنا سريعا».
وتؤكد هذه المراسلات بين بعثة بريطانيا في الأمم المتحدة ووزارة خارجيتها انشغال إدارة المملكة المتحدة، التي كانت من أكثر الدول استعمارا للشعوب الأخرى، بموضوع إزاحة الباجه جي عن اللجنة الرابعة، حتى وإن كان ذلك عن طريق المؤامرة، كما تكشف عنه الرسالة المؤرخة 18 مارس (آذار) 1960، والمرسلة من بعثة بريطانيا في نيويورك إلى وزارة خارجيتها، «نحن نكره مبدئيا أن يتولى اللجنة الرابعة شخص مناهض للاستعمار بشكل مسعور كالباجه جي. إن مستر هود (أستراليا) يؤيد بحرارة معارضتنا له. وإذا وجدنا فرصة لتشجيع منافس مقبول للباجه جي من وراء الستار فسوف نغتنمها».
ومثلما وجدت بريطانيا في الباجه جي معارضا ندا لسياساتها الاستعمارية، فإنه هو الآخر يحمل هذه الدولة العظمى التي احتلت العراق، الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها في حق بلده، ومن خلال استعراضه الموجز لتاريخ السياسة الخارجية للعراق يجد أن «بريطانيا ودول الحلفاء قد ظلموا العراق بحرمانه من منفذ بحري». يقول: «منذ بداية تأسيس الدولة العراقية كانت السياسة العراقية تأخذ مظهرين، الأول علاقاتنا مع دول الجوار، فالحدود الحالية رسمت من قبل بريطانيا ودول الحلفاء، وهذه الحدود حرمت العراق من أي منفذ بحري، وكانت هناك مشكلات مع دول الجوار، تركيا بقيت فترة طويلة تطالب بالموصل، وإيران لم تعترف بالدولة العراقية، وبررت ذلك بأن حدودهم مع العراق تحتاج إلى اتفاق خاص، والفرنسيون كانوا يحرضون الآثوريين (التيارية) حسبما كانوا يسمونهم، وهؤلاء في الحقيقة لا ينتمون إلى الآشوريين القدماء مثلما يدعون اليوم، بل هم جاءوا كلهم من المنطقة الشرقية من الأناضول، تركيا، هربا من المذابح التي تعرضوا لها مع الأرمن على يد الأتراك في الحرب العالمية الأولى، ووجودهم في العراق قريب، وليس منذ زمن بعيد، وكان اسمهم هناك (تيارية) وسكنوا القسم الشمالي من العراق لقربه من تركيا ولوجود أعداد من المسيحيين هناك، فاحتضنهم البريطانيون ودربوا قسما منهم، لكن الفرنسيين الذين كانوا يحكمون سورية ولبنان كانوا يحرضونهم دائما ضد الحكومة العراقية ويمدونهم بالأسلحة».
يتأمل الباجه جي في مخيلته الصورية خريطة العراق جيدا، ويعبر عن اعتقاده الجازم بأن «مسألة حرمان العراق من المنفذ البحري كانت وما زالت مهمة، فليس هناك سوى شط العرب الذي يحتاج إلى أعمال حفر مستمرة، وغاطسه لا يسمح للبواخر الكبيرة بالدخول إليه، وإيران تدعي بأن حدودها مع العراق هي في منتصف شط العرب، بينما المعاهدة التي وقع عليها العراق وإيران سنة 1937 تنص على أن حدود إيران هي الضفة الشرقية للشط، ما عدا المنطقة التي أمام مدينتي عبادان والمحمرة. إيران كانت دائما تعرقل موضوع حفر شط العرب وتتسبب بمتاعب لنا».
ويرى الباجة جي بأن «مشكلاتنا مع إيران عويصة. إيران كانت وما زالت مصدر متاعب للعراق والعراقيين، وسواء كان الحاكم في إيران صفوي أو قاجاري أو شاهنشاهي (بهلوي)، أو خميني، واليوم خاتمي، فهم يعتبرون أنفسهم حماة الشيعة في العراق، مع أن شيعة العراق عرب وإيران تعتبر المذهب الشيعي أهم من عروبة والانتماء القومي لشيعة العراق».
ويذكر الباجه جي قصة موثقة تؤكد ما ذهب إليه من رأي حول إيران والشيعة، يقول: «في الوثائق البريطانية التي أفرج عنها، قرأت تقريرا من السفير البريطاني في العراق إلى وزارة خارجيته سنة 1966، حيث كان ناجي طالب رئيسا لوزراء العراق، وأنا وزير الخارجية، يقول فيه: (التقيت في بغداد بالسفير الإيراني لدى العراق، واسمه بيراسته، الذي يشكو من التوجهات العربية القومية للحكومة العراقية وأن توجهاتها ناصرية)، حيث قال له السفير الإيراني: (أنا قابلت رئيس الحكومة العراقية ناجي طالب وقلت له أنت لماذا تؤيد القومية العربية والاتجاه الناصري.. وأنت شيعي)، فرد عليه طالب قائلا: (نعم أنا شيعي لكنني عراقي وعربي ولست إيرانيا)، وهذا تفكير حكام إيران على الدوام، وحتى اليوم، إذ يعتقدون أن ولاء شيعة العراق يجب أن يكون للمذهب وبالتالي لإيران. هذا الاعتقاد يضيف مشكلة إلى مشكلات المياه والحدود، حيث قطعوا الآن مياه نهر الكارون عن العراق، ويتدخلون بشكل سافر في الشؤون الداخلية، والآن أصبح هذا التدخل واضحا وقويا ومؤثرا بسبب ضعف الدولة».
ويؤشر بوضوح إلى أن «المشكلة الكبيرة الأخرى هي موضوع حصة العراق من مياه نهر الفرات الذي ينبع من تركيا، فالعراق لم يأخذ حصته المقررة قانونيا، بينما حياة ملايين العراقيين تعتمد على مياه دجلة والفرات، وعندما كنت وزيرا للخارجية عام 1966، وخلال مفاوضاتي مع الأتراك حول حصتنا من مياه الفرات تمسكت بمبدأ في القانون الدولي وهو الحقوق التاريخية المكتسبة، وحقوقنا التاريخية أقدم من الآخرين، إذ إن أول حضارة مدنية نشأت على حوض الفرات كانت في العراق وحقوقنا المكتسبة إذن راسخة، وأنا جعلت الأتراك يوافقون على التفاوض معنا وفق هذا المبدأ، وهذا ما جعل السفير البريطاني يكتب وقتذاك لحكومته قائلا: (إن موافقة تركيا على التفاوض مع العراق حول حصتهم من مياه نهر الفرات يعتبر انتصارا لدبلوماسية الباجه جي). لكن مشكلتنا مع تركيا لا تزال مستمرة، فهناك مشكلة مياه نهر الفرات حيث أقامت عليه السدود، وهذه قضية خطيرة تهدد حياة الشعب العراقي ويجب معالجتها، كما أنها كانت تطالب باستمرار بضم ولاية الموصل، غير هذا فإنها كانت تتحجج بمحاولاتها لردع الثورة الكردية لتتدخل في الشأن العراقي وتدخل الأراضي العراقية، والآن صار تدخلهم سافرا».
ويفخر الباجه جي بجانب مهم من ممارسة العراق في السياسة الخارجية، وهو «دعم وتأييد العراق لحركات التحرر العربية، كون العراق تأسس باعتباره دولة عربية قومية وجزءا من الأمة العربية، وكان يعتبر نفسه مسؤولا عن دعم حركات التحرر العربية، على الرغم من وجود الأكراد كقومية ثانية لهم حقوق تعترف بها الحكومة، والعراق الدولة الوحيدة في المنطقة الذي يعترف بحقوق الأكراد على العكس من تركيا وإيران وسورية، فهم جزء مهم من شعبنا وهذا حقهم. لهذا كانت الدولة العراقية تدافع عن فلسطين منذ 1936، وكذلك الجزائر والمغرب ولبنان وسورية والجنوب العربي، وأي أمر كان يحصل لأي بلد عربي، فقد كان العراق يبادر إلى الدعم والمساعدة، بغض النظر عن تغيير أنظمة الحكم في بغداد، كما كنا ندعم ونؤيد قضايا التحرر العربي من خلال منابر الأمم المتحدة».
وفيما يتعلق بعلاقات العراق مع دول العالم، يوضح «لنبدأ بالاتحاد السوفياتي، وقتذاك، فعلينا أن نعترف بأن السوفيات كانوا دائما يؤيدون قضايا التحرر العربي، ويدعمون قضايانا، نحن يجب أن نعترف بذلك، مع أني شخصيا أرفض الشيوعية كمبدأ وكوسيلة للتقدم الاقتصادي. ومع أن الشيوعية انتهت في العالم إلا أنني أستغرب من تمسك الحزب الشيوعي العراقي بهذه التسمية مع أنني أعتقد أنه لم يعد الآن لهذا الحزب أي معنى، ولو أنهم يفعلون مثلما فعل الشيوعيون في أوروبا الشرقية، حيث غيروا أسماء أحزابهم وأفكارهم وممارساتهم. وإذا كانت الشيوعية تعني نشر العدل وتحقيق المساواة فإن ما شاهدناه من ممارسات في الاتحاد السوفياتي كان غير ذلك تماما، بل كانت ممارساتهم فاشلة».
ويعتبر الباجه جي أن «مشكلتنا مع الولايات المتحدة كانت بسبب قضية فلسطين ودعم الإدارة الأميركية لإسرائيل، والآن صارت هناك قضية أخرى وهي دخولهم العراق». وتأكيدا على العلاقات الطيبة التي كانت تربط بين أميركا والعراق في السابق، يذكر «عندما كنت أعمل للمرة الثانية في السفارة العراقية في واشنطن، تم تعيين السفير الشابندر وزيرا للخارجية وصار هاشم خليل القائم بالأعمال، وتلقت السفارة اتصالا هاتفيا من وزارة الخارجية الأميركية يطلبون القائم بالأعمال لمقابلة الوزير دالاس، وكان هذا شيئا نادرا جدا، فوزير الخارجية الأميركية لم يكن يقابل أي سفير، بل مساعديه، هم من يقابلون السفراء، لكن دالاس طلبه بنفسه، مع أن خليل كان قائما بالأعمال، وليس سفيرا، فطلب مني القائم بالأعمال مرافقته كون لغته الإنجليزية كانت ضعيفة. ذهبنا إلى الخارجية واستقبلنا دالاس بنفسه، وقال: (أنا طلبت مقابلتكما لأبلغكما شكر الحكومة الأميركية لموقف الدكتور فاضل الجمالي، وزير خارجية سابق، في مؤتمر بأن دونغ، للدول الأفريقية والآسيوية الذي عقد في أبريل (نيسان) 1955، حيث دافع الجمالي عن حق أي دولة في الدخول لأي حلف تراه مناسبا لمصلحتها، ووقف ضد موضوع الحياد، كما أشكره لموقفه القوي والثابت الذي تحدث فيه ضد الصين الشعبية)، حيث لم تكن الصين آنذاك عضوا في الأمم المتحدة، وبقيت أميركا تقف ضد الاعتراف بها لأكثر من 25 سنة، وكان الرئيس جمال عبد الناصر أول من اعترف بها من الدول العربية عام 1956 ثم العراق عام 1958».


************************************************** ********************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 7) : سمعنا إطلاق النار وكنا نائمين فوق السطح وفوجئت بعارف يلقي البيان رقم 1
الباجه جي: شطب السعيد اسمي من قائمة الدبلوماسيين في الاتحاد الهاشمي وحدثت الثورة بعد يوم


ذاكرة العراقعدنان الباجه جي

معد فياض
كان العراق على موعد مع ما سوف يحدث، وما سيحدث كان كثيرا وشاملا ومغيرا لكل شيء، فالأرض كانت تسخن بسرعة، وكان دخان الغليان الشعبي يتصاعد في كل مكان وعلى مرأى من الجميع، إلا البلاط الملكي الذي كان يمثله الأمير عبد الإله الذي حجب الملك الشاب فيصل الثاني عن الأحداث، وحوله إلى مجرد شخص يضع تواقيعه على الإرادات الملكية ويقوم بالنشاطات البروتوكولية، وكذلك رئيس الوزراء نوري باشا (السعيد) الذي أبلغه أكثر من مقرب بأن هناك في الأفق ما لا يطمئن، فكان يردد جملته المشهورة التي ذهبت مثلا بين العراقيين «دار السيد مأمونة»، والسيد هنا هو الملك المنحدر من أصول هاشمية.

وبينما كان الأمير عبد الإله منشغلا بتحقيق حلم بعيد المنال باسترجاع عرش سورية الذي اغتصبه الفرنسيون من الملك فيصل الأول، باعتباره هو الأحق بهذا العرش مع أنه قريب الملك فيصل الثاني من جهة الأم، وليس من جهة الأب، وهذا لا يعطيه الحق في وراثة العرش.
كانت قطع من القوات العراقية التي يقودها ضابط كبير برتبة عميد (زعيم) هو عبد الكريم قاسم، ومساعده عبد السلام عارف، تطبخ في مقراتها قرب ديالى وبهدوء، لكن ليس بسرية تامة خطة الإطاحة بالنظام الملكي وإحلال نظام جمهوري بقيادة عسكرية.
رافق ذلك مشاعر من الحنق الشعبي ضد الوصي على العرش لإصراره على إعدام الضباط الأربعة، وعدم احترامه للدستور وتدخله الدائم في شؤون الحكومة.
خلال هذا الغليان كان عدنان الباجه جي لا يزال في واشنطن، بعيدا عن أرض واقع العراق وفي معترك العمل الخارجي للدولة العراقية ليؤسس لهذه الدولة مكانتها المرموقة بين دول العالم في الأمم المتحدة.
يكشف الباجه جي، قائلا: «خلال سنة عملي الأخيرة في واشنطن وقعت حادثة استثنائية، إذ دعيت على حين غرة لإلقاء الكلمة الرئيسية في الحفل الذي أقامه نادي الصحافة القومي على شرف الأمير عبد الإله، الوصي على العرش، الذي جاء إلى واشنطن في أوائل فبراير (شباط) 1957 على رأس وفد ضم 3 من رؤساء وزراء العراق السابقين للتباحث مع الرئيس الأميركي آيزنهاور حول الوضع في الشرق الأوسط في أعقاب حرب السويس»، هنا يحدث ما لم يكن في حسبان الباجه جي، الدبلوماسي الشاب، إذ «طلب مني السفير موسى الشابندر أن أكتب الخطاب الذي كان سيلقيه الأمير عبد الإله في حفل نادي الصحافة المقام احتفاء به، إذ إن إلقاء مثل هذه الكلمات أو الخطب هو امتياز حصري للملوك ورؤساء الدول أو الحكومات»، ويباشر الباجه جي بالفعل صياغة خطاب عربي قومي يعبر ليس عما في داخله من مشاعر قومية فحسب، بل ما كان يختلج في نفوس العراقيين والعرب من غضب نتيجة العدوان الثلاثي على مصر، حتى إنه يعترف بأن الخطاب «كان قويا في طابعه القومي بنبرته ومحتواه معا، وتضمن نقدا شديدا للهجوم البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي على مصر» ولم يكن الباجه جي يقصد إحراج الوصي المرتبط ببريطانيا أصلا، بل إنه عبر عن أفكاره، وعما يجب أن يكون الخطاب في مثل هذه المناسبة، وعندما قرأ عبد الإله الخطاب «أحجم شخصيا عن إلقائه وطلب من السفير العراقي أن يلقيه عوضا عنه، وهذا الآخر اعتذر وتحجج بنسيان نظارته الطبية تخلصا من الإحراج الذي سيوقعه فيه الخطاب، وانتهى الأمر بأن قرأت الخطاب بنفسي» وهذا ما أسعد الدبلوماسي الشاب، فهذه مناسبة قيمة أن يظهر في مثل هذا المحفل وفي قضية عربية بحتة «لكن هذه الحادثة ستترك أثرها في نفس الوصي الذي عرف بحقده وعدم تسامحه، وسوف يدفع الباجه جي ثمنها قريبا، وثمن رسالة كنت قد كتبتها إلى محرر جريدة نيويورك تايمز في أبريل (نيسان) 1957 دافعت فيها عن مصر، وربما كانت تلك الحادثتان السبب وراء العداء الذي واجهته عند عودتي إلى بغداد في أواخر ذلك العام»، مثلما يوضح.
الحدث الاستثنائي الآخر الذي يتذكره الباجه جي بكثير من الاعتزاز والحبور، كان في «بداية ديسمبر (كانون الأول) 1957، إذ اخترت عضوا في الوفد الذي رافق ملك العراق المحبوب فيصل الثاني في زيارته الرسمية إلى المملكة العربية السعودية. ومع أنني لم أكن أعرف الملك جيدا إلا أنني كنت أشعر بمودة عميقة نحو ذلك العاهل السعودي».
وينظر الباجه جي إلى عام 1958 باعتباره «مهما في تاريخ العراق والمنطقة، ففي فبراير من ذلك العام أعلنت الوحدة بين مصر وسورية، وصارت الجمهورية العربية المتحدة، كنت متحمسا للغاية فأنا مع أي مشروع قومي وحدوي، بينما كان البلاط ضد هذا المشروع، فالأمير عبد الإله كان يحلم بأن يكون ملكا على سورية، باعتبار أن ملكها كان هاشميا، الملك فيصل الأول. وهذا ما سبب خلافا بين الوصي ووزارة علي جودت الثانية سنة 1949 حيث كان والدي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية. أعقب ذلك خطوات الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن، وأنا باركت الوحدة بين مصر وسورية، وبين العراق والأردن، أي جهد وحدوي أنا معه».
المفارقة الغريبة هي أن الباجه جي الذي كان متحمسا للاتحاد الهاشمي بين بغداد وعمان باعتباره خطوة على طريق الوحدة العربية، كان من أول ضحاياه، يوضح «صار الاتفاق أن تكون وزارة خارجية واحدة في الاتحاد الهاشمي، لهذا ألغيت وزارتا الخارجية العراقية والأردنية، وصار العمل على توحيد الخدمة الخارجية، وتم تشكيل لجنة تذهب إلى عمان لبحث توحيد إدارة وزارتي الخارجية. اللجنة كانت برئاسة وكيل وزارة الخارجية العراقية يوسف الكيلاني وأنا كنت عضوا فيها، وكانت مناسبة لي لزيارة القدس كونها تحت الإدارة الأردنية. وهذه زيارتي الثانية للقدس، فقد ذهبت إليها في المرة الأولى عام 1942، خلال الحرب، من بيروت عندما كنت في الجامعة الأميركية بمناسبة أعياد ميلاد السيد المسيح - عليه السلام - مع صديق فلسطيني اسمه حازم نسيبة، صار فيما بعد وزير خارجية الأردن، ومن هناك زرت تل أبيب وحيفا، وكانت آخر فرصة لي لزيارة هذه المناطق. وفي المرة الثانية والأخيرة 1958 شاهدت الأسلاك الشائكة التي تفصل بين العرب واليهود في القدس». ويستطرد: «في عمان تفاوضنا مع سمير الرفاعي، كان رئيسا لوزراء الأردن، وأصر الأردنيون على أن تكون الوظائف في وزارة الخارجية الاتحادية مناصفة، فقلنا ما يصير، العراق أكبر من الأردن وله تمثيل دبلوماسي قبلكم وأوسع، ثم إن عدد سكان العراق أكثر، لهذا ذهبت إلى نوري باشا (السعيد) وكان بإمكاني زيارته في أي وقت كونه يعرفني منذ طفولتي، فقلت له: باشا، الأردنيون يريدون أكثر من حجمهم، فقال ميخالف (لا مانع) المهم عندنا أن يصير الاتحاد ويتقوى وهذا ما نريده وبعد ذلك نعالج هذه الأمور، وطلب منا أن نتساهل في هذه الأمور».
في هذه الأثناء طلب السعيد من بريطانيا أن تدخل الكويت في الاتحاد الهاشمي، حيث كانت الكويت إمارة تحت الحماية البريطانية «لهذا طلب مني يوسف الكيلاني كتابة مذكرة عن أهمية دخول الكويت للاتحاد والعلاقات التي تربط بين العراق والكويت، ، وكتبت المذكرة استنادا إلى مصادر ووثائق تاريخية كثيرة، وهذا ساعدني فيما بعد عندما طرحنا قضية الكويت في الأمم المتحدة بعد 3 سنوات من ذلك في عهد عبد الكريم قاسم باعتماد حقائق تاريخية. لكن البريطانيين رفضوا دخول الكويت في الاتحاد، حيث بدأ النفط في الظهور والشركات البريطانية كانت تعمل وتنقب هناك، وخشوا أن يفقدوا كل هذا بدخول الكويت للاتحاد الهاشمي، وقالوا إن أمير الكويت لا يوافق على الانضمام، فاختلف السعيد مع الإنجليز وكانت بينهما معركة حول هذا الموضوع، وهناك من يرى أن البريطانيين، وبسبب هذه المعركة وموقف السعيد تغاضوا عن حمايته من ثورة 14 يونيو (حزيران) 1958، إذ كانوا يعرفون أن هذه الثورة ستقع ولم يحركوا ساكنا».
كان الباجه جي يعمل بإخلاص، وفي رحلات مكوكية ما بين بغداد وعمان لإنجاز ملف توحيد إدارتي الخارجية والخدمة الدبلوماسية، كان يعمل بحرص وحيادية وكفاءة مشهود بها باعتباره موظفا أو دبلوماسيا بارزا في الخارجية العراقية، يقول: «يوم 13 يونيو 1958 حيث كنت منشغلا في العمل ضمن فريق الخارجية لتوحيد العمل، بعث في طلبي يوسف الكيلاني، وكيل الخارجية، كانت بناية وزارة الخارجية عبارة عن بناية قديمة في منطقة الباب المعظم بجانب الرصافة من بغداد، ولاحظت بوضوح علامات غير سارة ترتسم على وجهه، فبادرني بالقول: (عندي خبر مزعج لك) قلت: خيرا إن شاء الله، أجاب: (كان اسمك في مقدمة الموظفين العاملين في وزارة الخارجية الاتحادية لكن هناك في البلاط الملكي من حذفه)، كان استغرابي بحجم صدمة قوية بالنسبة لي، أنا وبعد كل النجاحات التي حققتها للعراق في الأمم المتحدة ووزارة الخارجية وجهودي في توحيد الوزارتين تتم مكافأتي بهذه الطريقة، سألته عن السبب، فأجاب بأن (هناك من يعتقد أنك لا تؤيد سياسة الحكومة وتؤيد اتجاه جمال عبد الناصر، لهذا لا يريدونك أن تعمل في الخارجية الاتحادية)، هنا أدركت أنني أدفع ثمن الخطاب الذي كتبته للوصي، والذي ألقيته نيابة عنه في نادي الصحافة القومي في واشنطن، والرسالة التي وجهتها إلى محرر الـ(نيويورك تايمز)».
لكن الأقدار كانت تخبئ ما هو أعظم وأكبر من هذا الحدث، الذي جرى في أقل من 24 ساعة على تغيير كل شيء في العراق، ففي اليوم الثاني سوف ينقلب كل شيء على عقبه، يكمل الباجه جي: «كان وقع هذا الخبر صادما ومزعجا بالنسبة لي، فأنا أمضيت كل سنوات عملي في السلك الدبلوماسي، وأنجزت الكثير للخارجية، وعملت على توحيد الوزارة، وكلفوني كثيرا بكتابة المذكرات والمشاركة في الوفود، فذهبت مباشرة إلى بيت توفيق السويدي، كان وزيرا لخارجية الاتحاد، وبيته في حي الشواكة بجانب الكرخ (صار فيما بعد شارع حيفا بعد أن تم هدم غالبية الأحياء القديمة وقد تم الإبقاء على بيت السويدي)، قلت للحارس: أريد مقابلة الباشا، فدخلت وقابلته، وفورا سألته عن هذا الإجراء الغريب، فقال: (هذا الإجراء تم من قبل عبد الإله ونوري السعيد، هما من اعترضا على وجودك في الخارجية الاتحادية، ثم إن لهما سياسة واضحة ولا يعتقدان أنك ستنفذ هذه السياسة، ولا يُعتمد عليك في تنفيذ هذه السياسة، لأننا نعرف أن لك توجهات أخرى تختلف عن سياستنا)، قلت له: أنا موظف في الدولة العراقية، وطوال سنوات خدمتي قدمت كل جهدي وإخلاصي للدولة، وحسب اعترافكم، فقال: (نعم نحن نعرف هذا، وأي وظيفة تريدها سوف نضعك بها)، قلت: لا أريد أي وظيفة ولن أعمل في الدولة، وتركته عائدا إلى بيتي، ولم أذهب إلى نوري السعيد، كما أن والدي ووالد زوجتي علي جودت الأيوبي كانا في أوروبا يقضيان إجازة الصيف. عدت إلى البيت وأخبرت زوجتي بما حصل، وقلت لها: أنا لن أعمل ثانية في الحكومة وسأعمل في الأمم المتحدة، كنت معروفا هناك من خلال سنوات خدمتي في الخارجية العراقية».
عندما عاد الباجه جي وعائلته من أميركا كان في انتظارهما بيت يُبنى في منطقة كرادة مريم، في جانب الكرخ من بغداد، التي تضم اليوم القصر الجمهوري والسفارة الأميركية والمنطقة الدولية المحمية (المنطقة الخضراء)، وكانت منطقة بساتين ومزارع وقتذاك، ولا توجد بها طرق معبدة، يقول: «لم يكن البيت قد تم إنجازه، لهذا سكنا في بداية الأمر في بيت والدي ثم انتقلنا عام 1958 إلى بيتنا الجديد، وأتذكر ذات يوم كسر اللصوص أبواب البيت وسرقوا كل شيء، إذ لم تكن هناك أي شرطة أو حراس يحمون المنطقة، وبعد هذا الحادث وضع مدير شرطة بغداد شرطيين لحمايتنا».
للعراقيين مع ليالي الصيف علاقة حميمة تتخللها عادات وتقاليد لا تزال سائدة، ومن أشهر عاداتهم الصيفية، هي النوم فوق سطوح منازلهم للتمتع بالنسيم البارد القادم من نهر دجلة والبساتين التي كانت كثيرة ببغداد، وهذه العادة لا علاقة لها بتوفر أو عدم توفر أجهزة التكييف، وعائلة الباجه جي التي كان بيتها قريبا من نهر دجلة لا يختلفون عن غيرهم في موضوع النوم في ليالي الصيف فوق سطح البيت، وهذا ما يؤكده هو، يقول: «كعادة العراقيين خلال الصيف، في الليل كنا نائمين فوق سطح البيت، فأيقظونا فجرا على أصوات إطلاق رصاص، لم نعرف مصدره أو سببه، قلت لزوجتي: هذه ليست تدريبات عسكرية، تركنا السطح إلى الطابق الأرضي واتصلت هاتفيا بوالدتي، حيث كان بيت والدي في منطقة الكرادة، أرخيتة، وسألتها إن كانت قد سمعت إطلاق الرصاص، فأجابت بنعم، وأكدت أنها لا تعرف أي شيء، لكنها عادت واتصلت بي بعد خمس دقائق، وقالت: (افتح الراديو واسمع)، سارعت إلى الراديو وسمعت صوت عبد السلام عارف وهو يقرأ البيان الأول للثورة».
كان البيان صادما ومفاجئا، ذلك أن العراقيين لم يكونوا قد تعودوا بعد على الثورات والانقلابات العسكرية، حتى إن ما قام به رشيد عالي الكيلاني في مايو (أيار) 1941 لم يرق إلى انقلاب، بل كان مجرد حركة ثورية، وثورة أو انقلاب 14 يونيو 1958 التي أذاع بيانها الأول العقيد عبد السلام عارف، ويدعي العميد عبد الكريم قاسم أنه قاد فتحا تاريخا من الانقلابات العسكرية في حياة العراقيين، وكلما شعر أي ضابط عسكري بأن بإمكانه تغيير نظام الحكم، قاد عسكره وصعد دبابته وتوجه نحو القصر الجمهوري أو وزارة الدفاع لتغيير نظام الحكم، بل الأهم من القصر الجمهوري كانت بناية دار الإذاعة العراقية لإذاعة البيان رقم واحد، وهذا وحده كان كافيا لتغيير نظام الحكم، وانقلاب يونيو هو الذي قاد فيما بعد البعثيين إلى السيطرة على الحكم من خلال انقلاب عسكري أيضا.
لم يعرف الباجه جي ما يفعله وقتذاك، فهو وعائلته أمام حالة جدية لم يتمرنوا عليها سابقا ولم يضعوها في حساباتهم، يوضح: «كان بيتنا في كرادة مريم وسط البساتين في منطقة شبه منعزلة، والشرطة التي وضعوها لحمايتنا تركتنا وذهبت، وسيارتي البونتياك كانت لا تزال تحمل لوحة أرقام أميركية، قلت: إذا خرجنا بها الآن سوف يهجم علينا الناس ظنا منهم بأننا أميركان أو إنجليز، لهذا طلبت من والدتي أن تبعث لنا سيارة والدي مع السائق علي الذي لازم والدي طويلا وهو رجل طيب، وقد قمت بتعيين 3 من أبنائه في حمايتي عندما عدت إلى بغداد بعد 2003».
ويشرح الباجه جي بالتفصيل حالة الهياج التي بلغها الناس يومذاك «وصل السائق وقال: (الدنيا مقلوبة ببغداد) والناس هائجة، قلت له: أدري، لكننا يجب أن نترك هذا البيت، فصعدنا بسيارة والدي الـ(بيوك)، أنا وزوجتي وبناتي الثلاث ومربيتهم وعبرنا جسر الملكة عالية الذي صار اسمه فيما بعد جسر الجمهورية، كان الناس في جانب الرصافة، منطقة الباب الشرقي، حيث مركز بغداد، يملأون الشوارع، وعيونهم تتفحصنا بينما السيارة تسير بصعوبة بسبب الازدحام حتى إن وصولنا استغرق أكثر من ساعة إلى بيت والدي في حين أن هذه المسافة لا تستغرق سوى 10 دقائق في الظروف الاعتيادية، وبعيد وصولنا إلى بيت والدي تم الإعلان عن حظر التجوال، ثم تم الإبلاغ عبر الإذاعة موظفي الدولة بالدوام في دوائرهم، فذهبت في اليوم التالي إلى وزارة الخارجية، كان هناك وزير جديد اسمه عبد الجبار جومرد، وهو من الموصل وكان يعرف والدي كونه في المعارضة ويعرفني أنا أيضا. ولجومرد قصة، فعندما تسلم البعثيون السلطة عام 1963 قالوا له سوف نعينك سفيرا فاختر أي بلد تريد، فقال: لا أريد أن أكون قائدا للفرقة الأولى، فاستغربوا وقالوا له، أنت لست بضابط حتى تكون قائد فرقة، فأجاب، لماذا تعينون الضباط سفراء والسفراء لا يحق لهم أن يكونوا ضباطا».
وحسب اعتقاد الباجه جي أن طلب النظام الجديد من الموظفين الالتحاق بدوائرهم كان تصرفا حكيما لاستمرارية الحياة الطبيعية، فالدولة لا تزال قائمة رغم تغيير نظام الحكم، يقول: «طلبني الوزير فذهبت لمقابلته، قال: (نريد تشكيل لجنة للنظر في شؤون الموظفين، فهناك موظفون ليس لهم ولاء للجمهورية ومن العهد الملكي ويجب إخراجهم)، قلت له: إنهم ليسوا سوى موظفين، وولاؤهم للدولة سواء كانت ملكية أو جمهورية، ويجب أن يكون التعامل معهم حسب الكفاءة، فأجاب بأن (هناك ضغوطا تطالب بإخراجهم)، وهذه الضغوط كانت من قبل الشيوعيين. أما أنا فلم يعترضوا علي وكانوا يعرفون أن توجهاتي القومية كانت تتعارض مع توجهات البلاط والحكومة، لكن الشيوعيين لا يثقون بشخص من طبقتي».
لم تكن في العراق وزارة باسم الإعلام أو الثقافة بل كانت هناك وزارة الإرشاد «وكان وزيرها صديق شنشل الذي طلب مني القيام بقراءة التقارير الصحافية التي يبعثها المراسلون الأجانب لوكالاتهم وصحفهم، إذ قال لي: (هناك عدد من الصحافيين الأجانب في فندق بغداد، ونريدك أن تذهب إلى هناك لقراءة تقاريرهم قبل إرسالها، فنحن لا نعرف ماذا يكتب هؤلاء ويرسلون لصحفهم ووكالاتهم)، بالفعل كنت أذهب من الساعة التاسعة من كل ليلة إلى فنذق بغداد الذي لم يكن هناك فندق راقٍ سواه وقتذاك، وأقرأ تقارير المراسلين الأجانب التي كنت غالبا ما أمررها وأعود إلى البيت عند الثانية صباحا، إذ كان حظر التجوال ليلا ساريا، لكن الحكومة زودتني بعدم تعرض، ووضعت عريفا من الجيش لمرافقتي، واستمر هذا الوضع شهرا كاملا».
الباجه جي، وعلى الرغم من التصرف السلبي الذي بدا من قبل نوري السعيد، والمعاملة التي اعتبرها قاسية تجاهه بحذف اسمه من سجل موظفي الخارجية الاتحادية، فإنه يتحدث بحيادية، يقول: «نوري السعيد والوصي عبد الإله والحكومات التي تعاقبت على حكم العراق كانت وطنية، لكن كانت هناك اجتهادات سياسية خاطئة، يعني تدخل الأمير عبد الإله في شؤون الوزارة، وهذا ليس من شأنه، وإصراره على إعدام الضباط الأربعة، وعدم السماح للملك فيصل الثاني الذي كان قد توج عام 1953 بممارسة دوره سوى توقيع الإرادات الملكية، فقد كان الوصي يستخدم صلاحيات الملك بتعيين أعضاء مجلس الأعيان وصلاحية إقالة الحكومة، وتعيين كبار الموظفين وحل مجلس النواب وهذا كان يتم بإرادة ملكية. حتى إن خلافه مع رشيد عالي الكيلاني الذي كان رئيسا للحكومة كان بسبب عدم توقيعه على إرادات ملكية ومراسيم ولهذا توقف عمل الحكومة والدولة».
ويستغرب الباجه جي من عدم أخذ حكومة السعيد أي احتياطات ضد احتمال قيام مثل هذا الانقلاب، على الرغم من أن «الناس كلهم كانوا يتحدثون في الشوارع والمقاهي عن قرب وقوع انقلاب، حتى إن مدير مزرعة علي جودت الأيوبي في جلولاء، ديالى، والقريبة من الوحدة العسكرية التي كان فيها عبد الكريم قاسم، أبلغ الأيوبي بأن هناك تحركات مريبة، وأنه سمع كلاما من ضباط عن قرب وقوع انقلاب، وقد أوصل الأيوبي هذه المعلومات إلى عبد الإله، الذي أبلغها بدوره إلى نوري السعيد الذي قال جملته المشهورة: (دار السيد مأمونة) وأن (لا خوف على الدولة من الجيش فنحن نثق به). لكنني على يقين بأن الاستخبارات البريطانية، وهي عريقة، كانت قوية وفاعلة في العراق، وكانت تعرف بقرب حدوث شيء من هذا القبيل. وليس من المعقول أنهم لم يعرفوا شيئا عن الثورة لا سيما أنها (الثورة) لم تكن على درجة عالية من السرية، ويبقى السؤال المهم هو: لماذا لم يبلغ البريطانيون الحكومة أو البلاط بهذه التحركات، لا ندري، فهم قالوا: نحن فوجئنا بما حدث».
وحسب اعتقاد الباجه جي، فإن الثورة «لم تحدث بسبب الأوضاع الاقتصادية، بل كان هناك استياء من سياسة الحكومة تجاه العرب والشعور العربي، وخاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر، إذ لم يكن من المعقول أن يبقى العراق مرتبطا بحلف مع بريطانيا، وهي التي شاركت في هذا العدوان».
************************************************** ********************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 8) : كان بين الضباط الأحرار اختلاف في الآراء حول مصير الملك فيصل الثاني
العهد الجمهوري منحني فرصا أكبر في العمل الدبلوماسي وعُينت الممثل الدائم في الأمم المتحدة


ذاكرة العراقعدنان الباجه جي يتوسط هاشم جواد وزير خارجية العراق (إلى يمينه) وحسين جميل عضو الوفد العراقي في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 سبتمبر 1959

معد فياض
خرائط الأمكنة لا تختلط عنده، وتقاويم الأحداث لا تتداخل أو تتغير، الأسماء محفوظة في أرشيف حي وبدقة متناهية، وكلها تشير إلى أفعال تاريخية ترتبط بأزمنة ومدن، فالجغرافيا والتاريخ مساران لا يفترقان مهما امتدّا أو تعمّقا في الأرقام والأوقات. الجغرافيا واضحة عنده تماما، تبدأ من بغداد وتعود إليها، والزمن دقيق للغاية منضبط على ساعة القشلة في بناية السراي الحكومي ببغداد أيضا، بغداد التي وُلد وترعرع فيها، وينتمي إليها عدنان الباجه جي الذي تنبض ذاكرته الحيوية والمتدفقة بأحداث وصور عاشها على مدى 87 عاما.

ذاكرة محايدة ومنصفة وصادقة وثرية، تلك هي ذاكرة الباجه جي الذي وعى الحياة في بداية بناء الدولة العراقية الحديثة، وشهد، متأسفا وحزينا، سقوط هذه الدولة، فهو من قُدر له أن يلتقي، عندما كان عمره ثماني سنوات، أولَ ملك للدولة العراقية الحديثة، فيصل الأول، وأن يلوم -متسائلا- صدامَ حسين وجها لوجه، آخر رؤساء هذه الدولة عند سقوطها محتلّة عندما التقاه في سجنه عام 2004 على ما تسبب فيه للعراق من مصير.
على مدى أكثر من شهر، فتح عدنان الباجه جي لـ«الشرق الأوسط» خزائن ذاكرته النفيسة بأحداثها وشخوصها وتواريخها، على أن كل ما ورد هنا من أسماء وآراء هو من مسؤوليته البحتة.
كان ثمة استوديو للتصوير الفوتوغرافي في منطقة السنك في شارع الرشيد، هذا الشارع الذي أضحى وقتذاك القلب التجاري والحضاري لبغداد، حمل هذا الاستوديو اسم «بابل» للمصور الأرمن جان، فقد أدخل الأرمن سحر التصوير الضوئي وحتى السينمائي إلى العراق، فإلى جانب جان كان هناك المصور الصحافي الرائد أمري سليم لوسينيان شيخ المصورين الصحافيين العراقيين الذي صور ملوك وزعماء العراق وجزءا كبيرا من أرشيف تاريخ العراق، والمصور الفوتوغرافي المعروف أرشاك (صاحب استوديو أرشاك)، ومصور الآثار كوفاديس ماركاريان.
عُرف المصور جان باعتباره المصور الخاص لملوك ورؤساء العراق، في ما بعد، إذ إن أولى الصور الرسمية للأمير عبد الإله والملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم وعبد السلام وعبد الرحمن عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين حملت توقيع استوديو «بابل»، وقد بقي مجد هذا المصور متألقا حتى نهاية الثمانينات عندما افتتح له فرعا آخر أكبر وأكثر فخامة من الأول بكثير في الطابق الأرضي من بناية الاتصالات في السنك بشارع الرشيد أيضا.
ذات يوم من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1982 جمعني لقاء صحافي مع المصور جان، وكان يضع في الواجهة الزجاجية لصالة العرض صورة كبيرة لصدام حسين، وسألته عن صور باقي الملوك والرؤساء، فقال: «أنا أتمنى أن أعرض كل الصور، بما فيها صورة عبد الكريم قاسم لأنه كان صديقي، لكنني كما تعرف لا أستطيع ذلك».
ومثل حكّاء محترف، راح يحكي بعربية مشوبة بمفردات أرمنية عن «ضابط عسكري متواضع، لكنه كان قلقا باستمرار، كان يزورني في محلي القديم كلما سنحت له الفرصة، نشرب الشاي ونتبادل الأحاديث، وذات يوم نظر هذا الضابط إلى صورة الملك فيصل الثاني وقال: (قريبا سوف تلتقط لي صورة مماثلة لهذه)، فعبّرت له عن استعدادي لالتقاط صورة له الآن إذا كان يريد، لكن الضابط أجاب بقوله: (لا، ليس الآن، بل عندما أصير رئيسا للعراق)». وترك جان وسط أسئلته وحيرته لتفسير ما يعنيه هذا العسكري.
لم يكن هذا العسكري سوى الزعيم عبد الكريم قاسم الذي أوفى بوعده وأرسل في طلب جان ليلتقط له أول صورة رسمية في مكتبه بوزارة الدفاع، قال جان: «عندما دخلت عليه وجدته مبتسما فرحّب بي كثيرا وقال لي: (ها جان، شفت اشلون صرت رئيس العراق وانت أول واحد راح تاخذ لي صورة)».
وفي لقطة أرشيفية مصورة سينمائيا للأخبار التي كانت تعرض على شاشة تلفزيون بغداد الذي بدأ بثه الرسمي عام 1956، يظهر العقيد عبد الكريم قاسم وهو يستعرض رهطا من عساكره بالقرب من البلاط الملكي في حي الكسرة بالأعظمية بجانب الرصافة من بغداد بمناسبة الاحتفال بذكرى تتويج الملك فيصل الثاني، في هذه اللقطة يحيّي قاسم الملك وينظر نحوه نظرة قاسية، ولو حلّل وقتذاك أي خبير تلك النظرة لتأكد أن هذا الضابط ينطوي على خطط عدائية ضد قائده الشرعي.
لقد كان «من المفروض أن يتزوج الملك الشاب فيصل الثاني في تلك الفترة بفاضلة أو فضيلة التي كان والدها من العائلة المالكة بمصر وأمها من عائلة عثمانية، حفيدة السلطان العثماني عبد المجيد الذي لم يتبوأ السلطنة، بل منحوه لقب خليفة، وأخذت منه السلطنة. والقصر الجمهوري بُني على أساس أن يتزوج فيه الملك، وهو قصر ملكي ومجلس الأمة كان مخصصا للبرلمان الملكي».
إن ما حدث صبيحة 14 يونيو (حزيران) 1958 كان فاجعا لكل العراقيين، فقد تم قتل العائلة المالكة، بدءا بالعاهل العراقي وأفراد أسرته من نساء وأطفال وخدم، واستباح الغوغاء قصر الرحاب الذي كانت تقيم به العائلة المالكة في الحارثية بجانب الكرخ من بغداد. يقول الباجه جي: «كان بين الضباط الأحرار الذين قادوا الانقلاب العسكري اختلاف في الآراء حول مصير الملك فيصل الثاني، فقِسم منهم كان مع قتله كي لا يتحول إلى رمز للمقاومة ضد الجمهورية الحديثة، وقسم آخر قال إن الملك لا علاقة له بما جرى وإنه لم يكن صاحب قرار، أما العائلة المالكة من نساء وأطفال فبالتأكيد لم يكن هناك أي قرار للمسّ بهم، هكذا عرفتُ بعد الثورة، فالعائلة المالكة استسلمت بلا أدنى مقاومة، لكن عبد الستار العبوسي الذي هجم على قصر الرحاب، حيث كان يقيم الملك وعائلته، فجأة فتح النار على العائلة وأمطرهم بالرصاص، ويقال إنه لم يكن سويا أو طبيعيا من الناحية النفسية حتى إنه انتحر بعد هذه الحادثة، ونجت الزوجة الأخيرة للأمير عبد الإله، ابنة أمير ربيعة، إذ جُرحت في ساقها وأنقذها شخص من مدينة الكوت (محافظة واسط اليوم)، وكان على معرفة بعائلتها، كما نجت الأميرة بديعة خالة الملك فيصل الثاني لأنها لم تكن في قصر الرحاب بل كانت في بيتها بحي الأميرات بالمنصور على مقربة من قصر الرحاب، ولجأت مع عائلتها إلى السفارة السعودية ببغداد التي تقع في حي المنصور. وقُتل الملك فيصل الثاني وجدته لأمه الملكة نفيسة والدة عبد الإله والملكة عالية (زوجة الملك غازي وأم الملك فيصل الثاني التي كانت قد توُفّيت عام 1950 بالسرطان)، وابنتها الكبيرة الأميرة عابدية وبعض الخدم».
يصمت الباجه جي قليلا وقد تسلل إليه الحزن جراء تذكُّر هذه الحادثة المأساوية، ثم يقول: «لقد تألمت كثيرا لمقتل الملك فيصل الثاني والعائلة المالكة ورئيس الوزراء نوري السعيد وما جرى من تمثيل لجثته وابنه صباح. السعيد كان رجلا وطنيا بمعنى الكلمة ووحدوي الأفكار وعربي الانتماء، وهو من عمل على تأسيس العراق وشارك في بنائه، وجل خطئه مثلما ذكرت هو تحالفه مع البريطانيين وعلاقاته مع أميركا، ولو كان قد انسحب من حلف بغداد بعد العدوان الثلاثي على مصر لكان حصل على تأييد شعبي كبير، فالبقاء في معاهدة مع بريطانيا بعد هذا العدوان كان فيه استفزاز لمشاعر العراقيين القومية ولكل العرب، وسبب بقائه في هذا الحلف هو خوفه المبالَغ فيه من الشيوعيين، فالحزب الشيوعي العراقي لم يكن يشكل خطرا حقيقيا على الحكومة أو البلاط، أنا أفهم مخاوف تركيا أو إيران مثلا من الشيوعيين لكونهم قريبين من الاتحاد السوفياتي، لكن العراق بعيد عن الخطر الشيوعي جغرافيا، ومع ذلك فالسعيد رجل وطني لم يكن يستحق ما جرى له. لقد كان مقررا قتله خلال ثورة (يوليو) تموز وكذلك قُتل الأمير عبد الإله».
لقد فعل ما فعل العسكر والغوغاء من مداهمات واعتقالات وإعدامات انتقامية يومذاك، وحسب الباجه جي فقد «اعتقلوا بعض الوزراء وصدرت أوامر باعتقال البعض الآخر، مثلا صدرت مذكرة بمصادرة أموال علي جودة الأيوبي، والد زوجتي باعتباره رئيس وزراء في العهد الملكي، بينما لم يتعرضوا لوالدي لأنهم كانوا يعتبرونه ضمن المعارضة للبلاط والحكومة آنذاك، وهو فعلا كان معارضا، وعلى العموم والدي والأيوبي كانا في سويسرا وقتذاك». وفي حمأة احتدام هذه الذكرى في ضمير الباجه جي فإنه يتذكر هذه القصة: «كان وزير الدولة لشؤون الدفاع في حكومة الاتحاد العربي (بين العراق والأردن) اللواء الطيار العسكري سامي فتاح، وهو من مدينة الموصل، في زيارة لوزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء الأردنيين، إبراهيم هاشم وسليمان طوقان، اللذين كانا يقيمان في فندق بغداد (في شارع السعدون)، فهجم الجنود والناس الهائجة على الفندق وقتلوا كلا من هاشم وطوقان، وتعرض فتاح للضرب، وفي اللحظة التي أرادوا فيها قتله تَعرّفه عريف في الجيش فسحبه وأنقذه من الموت، لكنهم أخذوه إلى المعتقل، وهناك قال له الضباط الذين كانوا يحققون مع المعتقلين متشفين به: (ها سامي فتاح وصلت إلى هنا)، فأجاب قائلا بلهجته المصلاوية: (كنت اقشعتوا الشعب العراقي في عنفوان نجابته)، أي (كنت قد شاهدت الشعب العراقي في عنفوان شهامته)».
ولا يخفي الباجه جي تأثره بالشعارات التي جاءت بها ثورة يوليو (تموز)، فيقول معترفا: «كنت في عمر الشباب وكانت الشعارات المطروحة تتحدث عن الحرية والاستقلال من النفوذ الأجنبي وتحقيق الديمقراطية، وكان يهمني كثيرا التخلص من الاستعمار البريطاني، وبالفعل تحقق ذلك، أعني تخليص العراق من السيطرة البريطانية، ففي العهد الملكي كان السفير البريطاني يتدخل في تأليف الوزارة ورفض هذا وقبول ذاك، وهناك وثيقة بريطانية صادرة سنة 1947، في عهد حكومة صالح جبر، يقول فيها السفير البريطاني لوزير خارجيته: (لقد نبهت الوصي عبد الإله بأن الوزارة الحالية، باستثناء رئيسها ووزير الخارجية فاضل الجمالي، هي وزارة هزيلة وضعيفة، وقد أشرت على الوصي بتغيير بعض الوجوه في الوزارة)، ثم يعدد الوزراء الذين لا يرغب بهم ويضع أوصافه عنهم، مثلا جمال بابان رجل فاسد، وشاكر الوادي لا فائدة منه، وتوفيق وهبي شخصية كردية محترمة لكنه كبير في السن، واقترح السفير البريطاني أن يأتوا بعناصر جديدة مثل علي ممتاز وبعض الشباب المعارض. وفي وثيقة أخرى يقول: (أخبرني الوصي بأنه سوف يكلف مزاحم الباجه جي بتأليف الوزارة، وهو شخصية سياسية وكان خارج العراق لأكثر من 12 سنة ولا ندري ما اتجاهاته، فقلت له (للوصي): لا مانع، لنجربه ونرَ ماذا سيفعل)».
ويقول مؤكدا: «نعم، كان البريطانيون يتدخلون في كل شيء، وأتذكر أنه في الحفلات التي كانت تقام ببغداد ويحضرها الملك، كانت سيارة السفير البريطاني فقط تقف إلى جانب سيارة الملك حتى لا يتعب نفسه ويتمشى قليلا عندما يخرج من الحفلة. كانت هذه التصرفات وهذا التدخل يستفزان العراقيين، وهذا السفير ذاته، جاء إلى وزارة الخارجية العراقية بعد ثورة تموز خائفا ومتنكرا، بينما كان قبل الثورة (نافش ريشة) مثل الديك الرومي، وذات مرة دعاني مع زوجتي إلى حفلة (بلاك تاي)، حفلة يجب أن يرتدي الرجال فيها ربطة عنق سوداء وبدلات سوداء، في مبنى السفارة البريطانية ببغداد، وكان يتصرف بتباهٍ. والبريطانيون كانوا قد اختاروا أفضل موقع ببغداد، على الضفة الغربية (الكرخ) لنهر دجلة، وفي منطقة تسمى الشواكة، قريبا من بيت توفيق السويدي، وبنوا على مساحة كبيرة جدا سفارتهم، وعلى الرغم من أن السفارة البريطانية اليوم ومنذ 2003 تقع في المنطقة الخضراء فإنهم ما زالوا يحتفظون بالبناية القديمة ولهم فيها مكتب».
بعد الثورة مباشرة بعث الأميركان قواتهم إلى لبنان والبريطانيين إلى الأردن مما دفع الاتحاد السوفياتي ومصر إلى الاحتجاج واعتبار هذا العمل غير مشروع، فرفعت القضية في مجلس الأمن، ولم يتوصلوا في مجلس الأمن إلى نتيجة فتقرر إحالة الموضوع إلى دورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة.يشرح الباجه جي: «العراق شارك في هذه الدورة بوفد برئاسة وزير الخارجية عبد الجبار جومرد الذي طلب مني أن أكون ضمن الوفد المسافر إلى نيويورك. أنا في سري فرحت كثيرا، وقلت له: (أنا لا أستطيع أن أترك عائلتي وحدها في هذه الظروف)، فقد كان السفر ممنوعا وقتذاك، لهذا اتصلت بالحاكم العسكري العام أحمد صالح العابدي، إذ كانت لعائلة العابدي علاقة مع عائلتنا الباجه جي، ويُعتبرون من المريدين للباجه جيّة، وعم الحاكم العسكري العام كان سكرتيرا لعبد الله الباجه جي في إسطنبول، وعمه الآخر كان يعمل مديرا لمزرعة شاكر الباجه جي، فقلت لأحمد العابدي إني مسافر ضمن وفد حكومي إلى نيويورك ولا أستطيع ترك زوجتي وبناتي ببغداد، فمنحهم موافقة السفر خارج العراق، إذ ذهبوا إلى جنيف حيث كان والدي ووالد زوجتي الأيوبي هناك، بينما سافرت أنا إلى نيويورك، وأتذكر السعادة التي شعرنا بها عندما غادرنا بغداد مباشرة إلى كوبنهاغن. تصور بعد شهر من حرارة صيف بغداد، والأخبار المزعجة، فقد كنا نسمع كل يوم أخبار القتل والتصفيات، ثم نسافر إلى أوروبا، وكان تاريخ مغادرتنا في 12 أغسطس (آب) 1958، ومَن يعرف العراق يعرف معنى حرارة أغسطس (يسمونه في العراق آب اللّهّاب الذي يذيب المسمار في الباب)، لنجد أنفسنا نجلس في أحد مقاهي العاصمة الدانمركية والناس سعداء ويقودون دراجاتهم الهوائية ويمرحون. حقيقة كان شعورا كمن انتقل من الجحيم إلى الجنة».
ويذكر تفاصيل هذه السفرة المثيرة بتاريخه العائلي قائلا: «كنا قد سافرنا من مطار بغداد القديم، وقتذاك كان هو المطار الوحيد (يقع في جانب الكرخ مقابل محطة القطارات الكبرى، سمي في ما بعد بمطار المثنى، قبل أن يقرر الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلغاءه كمطار وبناء أكبر مسجد على أرضه، لكن البناء لم يُنجَز حتى اليوم)، وغادرنا على متن طائرة من الخطوط الإسكندنافية (سويس إير) إذ كانت السلطات العراقية تسمح ببعض الرحلات إلى ومن بغداد للسماح للوفود والمراسلين الصحافيين بالوصول إلى العاصمة العراقية أو مغادرتها، وكانت رحلتنا خاصة ومعنا بعض العراقيين الحاصلين على موافقة سفر من السلطات الأمنية».
ولدى وصول الباجه جي مع وزير الخارجية جومرد إلى نيويورك «قال جومرد (أنا سألقي خطابي باللغة الفرنسية) لكونه درس في باريس، والعربية لم تكن لغة رسمية في الأمم المتحدة آنذاك، واقترح الدبلوماسي العراقي البارز عصمت كتاني (رحمه الله) وأنا أن نكتب له خطابه الفرنسية والإنجليزية، قلنا طيب باللغة الإنجليزية معقول، ولم أكن وقتذاك متمكنا من اللغة الفرنسية، فقال: (لا علاقة لي)، وبالفعل كتبنا الخطاب بالإنجليزية وطلبنا من مندوب الجزائر ترجمته إلى الفرنسية، وكان ضمن الوفد هاشم جواد الذي صار في ما بعد وزيرا للخارجية ثم ممثل العراق في مجلس الأمن، وإسماعيل عارف الذي كان ملحقا عسكريا في السفارة العراقية في واشنطن حيث تم استدعاؤه للالتحاق بالوفد، وعصمت كتاني الذي كان موظفا في بعثة العراق في نيويورك، وبعد انتهاء الاجتماعات غادر وزير الخارجية ومعه جواد وطلب مني البقاء لتمثيل العراق في اجتماعات الجمعية العامة التي كانت ستُعقد بعد أسبوعين، وكانت هذه مناسبة سعيدة جدا بالنسبة إليّ».
لكن هذه السعادة لم تدم، خصوصا في ظل حكومة عسكرية ثورية يتدخل فيها الكثير من الأمزجة والصراعات، يقول الباجه جي: «بقيت في نيويورك وشاركت في الاجتماعات وعملت بجهد في ملف المستعمرات الأفريقية مثل الكاميرون، حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) 1958، حيث انتهت أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدها تسلمت برقية تقول: (بناء على طلب السفير عبد الوهاب محمود تقرر نقلكم مستشارا في السفارة العراقية في موسكو)، وكانت هذه البرقية قد شكلت لي مفاجأة غير سارة على الإطلاق، عندها فكرت في نقطتين مهمتين: الأولى أني سأذهب إلى هناك شخصا ثانيا في السفارة مع أني بعد خدمة كفأة بالعمل الدبلوماسي لأكثر من 14 عاما أستحق أن أكون رئيس بعثة (سفيرا)، أما النقطة الثانية فتتعلق بتنامي المد الشيوعي في العراق، وكان المد الشيوعي موجها بصورة خاصة ضد العناصر القومية العربية، وكان اتجاهي، ولا يزال، قوميا، وهذا على ما أعتقد ما جعلهم ينقلونني إلى موسكو. ومن الأمور الغريبة أنه بينما كان ممثل الاتحاد السوفياتي وممثلو الدول الشيوعية في الأمم المتحدة متحمسين لعملي ويثنون عليه لأني كنت في لجنة الاستعمار وأعمل من أجل تحرير الشعوب المستعمَرة، وهذا يعني أني كنت ضمنا ضد إنجلترا وفرنسا لكونهما الدولتين الأكثر استعمارا للدول والشعوب الأخرى، فإن الشيوعيين العراقيين لم يكونوا راضين عني».
لم يعرف الباجه جي يوما الخضوع لقرار ضد اتجاهاته وتوجهاته، فهو العراقي المخلص لدولته لا لحزب أو لجهة، ويخدم العراق باعتباره بلده، وعندما تأتي توجهات الحكومة لتحرمه أو لتقلل من وطنيته فإنه لا يساوم أو يهادن، ومثلما واجه السويدي، وزير خارجية الاتحاد الهاشمي يوم شطبوا اسمه من قائمة الدبلوماسيين الذين سيعملون في الخارجية الاتحادية يوم 13 يونيو (حزيران) 1958 ولوّح باستقالته، فإنه هنا أمام موقف مشابه، بل أكثر قسوة، يقول: «بدلا من ذهابي إلى موسكو قدمت استقالتي وسافرنا أنا وعائلتي إلى بيروت ثم إلى جنيف لزيارة والدي، ولم أسمع من الخارجية العراقية أي شيء بخصوص قبول أو رفض الاستقالة، لكن فجأة حدث تغيير وزاري في بغداد وأصبح هاشم جواد وزيرا للخارجية، وكان يعرفني جيدا ويعرف كفاءتي في العمل في الأمم المتحدة، فعندما كان يحضر إلى نيويورك كان يسمع من وفود بقية الدول الكثير من كلام الثناء والإعجاب بعملي والإشادة بكفاءتي، فاتصل بي وقال: (استقالتك لم تُقبل، ارجع إلى نيويورك ومثّل العراق في اجتماعات الجمعية العامة)».
ومع أن الباجه جي كان محسوبا على العهد الملكي وباعتباره ابن رئيس حكومة في ذلك العهد، فقد حصل على اهتمام من حكومة قاسم الجمهورية فاق ما حصل عليه كثيرا في حكومات العهد السابق. يقول: «كانت عائلتي في واشنطن منذ أن جئت إلى نيويورك، حيث استأجرنا شقة هناك وبناتي صرن في المدارس. وبعد ثلاثة أسابيع انتهت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووصلتني من الخارجية العراقية برقية تفيد بأنني عُيّنت رئيسا لبعثة العراق والممثل الدائم وكالة لبلدي في الأمم المتحدة في نيويورك، فانتقلت عائلتي معي إلى نيويورك، بعدها ببضعة أشهر تم تعييني وزير مفوضا وممثلا دائما في نيويورك، وبعدها بسنة تم تعييني بدرجة سفير هناك، وكان هذا خبرا سعيدا جدا بالنسبة إليّ، ذلك أن نيويورك مدينة رائعة، كما أني أحب العمل في الأمم المتحدة. وبعد عام واحد تم ترشيحي لرئاسة اللجنة الرابعة المسؤولة عن شؤون الوصاية والمستعمرات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد اعترضت بريطانيا على هذا الترشيح، ثم أثنوا على عملي رئيسا لهذه اللجنة».
عندما يتحدث عدنان الباجه جي عن الأمم المتحدة وسنوات عمله فيها تراه متألقا، مستعيدا سنوات نشاطه ومبادراته وحضوره شخصيةً دبلوماسيةً بارزةً بين أروقة وقاعات هذه المنظمة الدولية. وهو يعتبر «الدورة التي عُقدت عام 1960 تاريخية بحق، إذ حضرها خروشوف، وجمال عبد الناصر، وجواهر لال نهرو، وأحمد سوكارنو، وفيديل كاسترو، وتيتو. وحضور هذا الحشد من القادة كان بمبادرة من خروشوف الذي طلب من رؤساء دول عدم الانحياز التي لا تسير في الفلك الأميركي الحضور في هذه الدورة لكونه سيحضر بنفسه، وكانت فرصة للقاء والتباحث، فاستجابوا لدعوته هذه. بينما كان إيزنهاور، رئيس الولايات المتحدة، قد ألقى خطابه وعاد إلى واشنطن، بينما لم يحضر الرئيس الفرنسي ديغول لأنه لم يكن معجبا بالأمم المتحدة. تَرأّس الوفدَ العراقي هاشم جواد وزير الخارجية وأنا رئيس البعثة الدائمة في الجمعية. كان يُفترض أن يمثل العراقَ رئيسُ الوزراء، لكن عبد الكريم قاسم لم يسافر خارج العراق على الإطلاق، لم يغادر البلد قط خلال رئاسته للحكومة».
وبمهنية عالية عمل الباجه جي مع الحكومات ووزراء الخارجية العراقيين المتعاقبين، سواء كانوا في العهد الملكي أو الجمهوري، بذات الإخلاص، لكونه يعمل من أجل العراق لا من أجل أشخاص، وبهذه المبادئ تعاون مع جواد «الذي كان منشغلا في هذه الدورة بمعالجة قضية الجزائر، بينما كنت أنا أهيئ له الوثائق وأجمع ممثلي الدول للقاء به، وكانت تربطني علاقات جيدة مع الجزائريين، ومع ممثلي الدول العربية والغربية، وفي هذه الدورة نظمنا دعوة في دار ممثلية العراق في الجمعية العامة على شرف الجزائر وكان رئيس وفد الجزائر كريم بلقاسم، وهو أيضا كان وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة، فجأة حضر إلى الدعوة خروشوف، إذ شكّل حضوره مفاجأة للجميع».

************************************************** *********************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 9) الباجه جي: شاهدت خروتشوف وهو يضرب المنصة بحذائه في الأمم المتحدة
من حق الأكراد أن يقرروا مصيرهم عملا بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.. ولو كنت كرديا لتمنيت أن تكون لي دولة كردية


ذاكرة العراقالباجه جي يستقبل خروتشوف في مقر البعثة العراقية بنيويورك وإلى جانبه هاشم جواد وزير خارجية العراق، عام 1960

معد فياض
كان أعضاء الأمم المتحدة يواصلون نقاشاتهم واستماعهم إلى كلمات ممثلي الدول، بينهم جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر وجوزيف تيتو ورؤساء حكومات، عندما ارتفع فجأة صوت رئيس الاتحاد السوفياتي خروتشوف، وما إن انتبه إليه الجميع في تلك القاعة الحاشدة حتى شاهدوه وهو يرفع حذاءه ويضرب به منصة وفد بلاده وسط ذهول واستهجان وسخرية الجميع.

بعد هذه الحادثة صار كلما ورد اسم خروتشوف، لم يذكر باعتباره رئيس دولة عظمى، هي الند للولايات المتحدة الأميركية، بل تذكر حادثة الحذاء هذه، وبكثير من التأويلات.
وسيكون الباجه جي، خلال اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك عام 1960، أحد المحظوظين بمعايشة حدث تاريخي لكنه من نوع آخر، حدث اقترن برئيس الاتحاد السوفياتي، فكلما ذكر خروتشوف، تذكر حادثة ضربه لمنصة وفده في قاعة الجمعية بالحذاء، يتذكر عدنان: «كان خروتشوف قد قدم لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة اقتراح منح الاستقلال لكل الدول التي هي تحت الاستعمار، وفي فرصة الغداء دعاني رئيس الاتحاد السوفياتي إلى مأدبة أقيمت في مقر الممثلية السوفياتية، ودعا أيضا رئيس الجمعية العامة ورؤساء اللجان السبع الرئيسية التي أنا رئيس إحداها (الرابعة)، وكان كل أعضاء الجمعية ممثلين فيها، فأخذ خروتشوف يشرب كأسي فودكا نخب كل ضيف مدعو، فعندما انتهينا من دعوة الغداء كان قد شرب كثيرا جدا، ومن عادته كان يشرب فودكا بكثرة، وبعد الدعوة كان لنا اجتماع في الجمعية العامة، في هذا الاجتماع الشهير والتاريخي رفع خروتشوف حذاءه في الحادثة التاريخية المعروفة، ومن المؤكد أنه كان سكران».
وبتفاصيل أدق يقص الباجه جي هذه الحادثة: «كان الوفد السوفياتي يجلس خلفنا، إذ إن تنظيم مواقع الدول يتم حسب الحروف الأبجدية والقرعة، وكان يتحدث مندوب الفيلبين، عندما قام خروتشوف برفع حذائه، وقد شاهدت وزير خارجيتهم غروميكو منكمشا على نفسه خجلا، بينما كان رئيسه يتشاجر مع رئيس الجلسة الإسباني وقتذاك»، منبها إلى أن «المسألة بدأت تتصاعد منذ كنا في دعوة الغداء، عندما كان يتحدث عن قضية الكونغو، وفي الاجتماع صار نقاش حول مقترحه بمنح الاستقلال لكل الدول المستعمرة، فيما إذا سيتم بحث مقترحه أمام الجمعية العامة أو في إحدى اللجان، فأصر هو على بحث المقترح أمام الجمعية العامة، ووجدها فرصة مناسبة للحديث ضد الدول الاستعمارية، فرفع حذاءه وراح يضرب به المنصة التي أمامه، المخصصة للوفد السوفياتي وليس على المنصة الرئيسية كما يشاع، وكنا نحن وبقية الوفود قد استقبلنا هذه الحادثة بالضحك والسخرية والاستهجان، ذلك أن خروتشوف كان رئيس إحدى أعظم دولتين في العالم، الاتحاد السوفياتي، وكانت دولة عظمى بحق ولم يكن رئيسا لجمهورية من جمهوريات الموز، كما أن المكان الذي ضرب فيه بالحذاء على المنصة كان اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي أمام العالم كله».
بيد أن الأزمة بين الاتحاد السوفياتي والأمم المتحدة لم تتوقف أو تنته عند حادثة حذاء خروتشوف، بل أخذت مدايات أبعد بسبب قضية الكونغو «التي كانت تتفاعل آنذاك، حيث أعلن استقلالها في 30 يوليو (تموز) 1960، وحضر إلى الجمعية باتريس لوممبا كرئيس لوزراء الكونغو، وأنا التقيته هناك. لكن سرعان ما اختل الوضع الأمني في الكونغو وصار اقتتال ومحاولات انفصال، عندها استخدم همر شورت صلاحياته المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن من حق الأمين العام أن يلفت نظر مجلس الأمن إلى قضية يعتقد أنها تهدد السلام والأمن الدوليين، وقال إن قضية الكونغو تهدد السلام والأمن الدوليين وعرضها على مجلس الأمن الذي منحه (الأمين العام) صلاحية إرسال بعثة من الأمم المتحدة لمساعدة الحكومة الكونغولية لضبط الأمن، وقام بإرسال البعثة. كان من حق البعثة أن تتخذ قرارات من غير الرجوع إلى الحكومة الكونغولية، لأنه عمليا لم تكن هناك حكومة، لكن السوفيات اعترضوا، وهاجموا الأمين العام، وقالوا هذا خطأ. خروتشوف هاجم شورت بنفسه ورد عليه الأمين العام قائلا: إن (الدول الكبرى لا تحتاج إلى خدمات الأمم المتحدة، الدول الصغيرة فقط هي التي تحتاج إلى الأمم المتحدة، وأنا هنا أعمل من أجل الأغلبية الساحقة من الدول الضعيفة)، وقد نال رد الأمين العام استحسانا وتصفيقا حادا من قبل جميع الأعضاء. أنا تحدثت في الاجتماع ودافعت عن الأمين العام وقلت إنه كلف بمهمة من قبل مجلس الأمن ويجب أن يقوم بإنجاح المهمة، فلا نقف في وجهه ونضع العراقيل أمامه. لكن ما عقد الموقف هو مقتل لوممبا في هذه الأثناء من قبل جماعة تشومبي وبدعم من البلجيك، فقرر الاتحاد السوفياتي قطع علاقاته مع الأمين العام».
وفي بداية عام 1961 كان الباجه جي على موعد مع حدث مهني متطور، كان هذا الحدث سينقله إلى مصاف آخر من العمل الدبلوماسي في المنظمة الدولية، وينقل العراق والعرب إلى هذا المصاف أيضا، يذكر: «دعاني الأمين العام، وأنا كسفير في الأمم المتحدة فمن الطبيعي أن يطلب مقابلتي، وقابلته، فقال لي: (أنا في حاجة إلى مساعد لإدارة عمليات الكونغو في مقر الأمم المتحدة، ويكون بدرجة مساعد للأمين العام، يعني أعلى درجة في السلم الوظيفي)، وسألني فيما إذا كنت موافقا على ذلك حتى يطلب من الحكومة العراقية إعارة خدماتي للأمم المتحدة، فقلت له نعم موافق، لأني لم أفكر في نفسي في هذا الموضوع وحسب، بل فكرت في سمعة العراق والعرب، لأن هذا موقع جديد ومفيد لنا. وبالفعل طلب الأمين العام من وزير الخارجية العراقي موافقة الحكومة على تعييني في هذا المنصب، فطلب وزير الخارجية من عبد الكريم قاسم موافقته، لكن قاسم رفض ذلك وقال نحن في حاجة إلى خدمات الباجه جي كممثل دائم للعراق. لكن شورت ألح وطلب ثانية الموافقة وقال لوزير الخارجية نحن في حاجة له وهذا مفيد للعراق، ففاتح الوزير قاسم مرة ثانية وقال له إن هذا شرف عظيم للعراق، وهذه أول مرة يطلبون من بلد عربي ذلك وسيكون الباجه جي أول عربي يعين في هذا المنصب وهو مهم لنا، فوافق قاسم. لهذا وجهت وزارة الخارجية مذكرة تطلب رسميا موافقة رئيس الوزراء على تعييني في منصب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة بناء على طلب الأمين العام». هنا يتدخل السوفيات ليقوموا بعمل انتقامي لا يؤثر على الباجه جي فحسب، بل على موقع العراق أيضا: «تبين أن السوفيات تدخلوا في الموضوع وضغطوا على قاسم وقالوا له: (كيف توافقون على التعامل مع الأمين العام ونحن قاطعناه؟!)، مع أن العراق لم يقاطع الأمين العام وكنا نتعامل معه بشكل طبيعي، كما ضغط الشيوعيون العراقيون الذين كانوا متنفذين في بغداد على رئيس الحكومة متعاطفين مع موسكو (كان يقال إنه إذا أمطرت في موسكو، رفع الشيوعيون العراقيون مظلاتهم في بغداد)، لهذا رفض قاسم وكتب على المذكرة: (يؤسفني عدم الموافقة لحاجتنا لخدماته)، وبذلك فوت على العراق فرصة كانت مهمة، أما أنا فقد شعرت بالحزن الكبير، لأنني كنت في حماسة الشباب وعمري كان 37 سنة، ووظيفتي سفير، والناس يعرفونني، وكنت سأكون أصغر مساعد للأمين العام في تاريخ الأمم المتحدة».
كان الباجه جي أكثر دبلوماسي تحدث في الأمم المتحدة عن قضية فلسطين «هذه قضيتنا»، هو يقول، وكان في انتظار فرصة أكبر للحديث المطول عن حقوق الفلسطينيين المغتصبة، يتذكر أنه: «للمرة الأولى التي أتصدى فيها لقضية فلسطين بشكل رئيسي وتكون القضية على عاتقي عندما تقرر تعيين مسؤول عن أملاك اللاجئين الفلسطينيين في إسرائيل، بالطبع رفضت إسرائيل هذا التعيين، فتحدثت أنا عن قضية فلسطين ووضع اللاجئين الفلسطينيين، حتى أن إحدى الصحف الإسرائيلية المهمة، إما (جويش أوبزرفر) أو (جورسليم بوست)، قالت إن (موقف إسرائيل تضرر بوجود الباجه جي الذي يقود الحملة في الأمم المتحدة ضدنا، ذلك لأنه من أكثر الممثلين العرب في الأمم المتحدة كفاءة في معالجة القضايا التي تصدى لها)، وكانت هذه شهادة العدو عني. وفي خريف 1961، عقدت الدورة الاعتيادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقيت خطابا شاملا ومهما عن القضية الفلسطينية ووضع اللاجئين الفلسطينيين، وكان لهذا الخطاب صداه، حتى أن الحاج أمين الحسيني المفتي بعث لي برسالة شكر وتقدير على هذا الخطاب، وعندما تركت الأمم المتحدة عام 1965 لتعييني وزيرا لخارجية العراق، أقامت منظمة التحرير الفلسطينية حفلا على شرفي وأهدتني درعا مكتوب عليها باللغة الإنجليزية (إلى عدنان الباجه جي لخدماته الجليلة للقضية الفلسطينية)، وأنا لا أزال أحتفظ به وأعتز به».
يظهر الباجه جي ألبوم صوره الخاصة خلال سنوات عمله في الأمم المتحدة، صور مع القادة والرؤساء ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية، يتأملها بكثير من الحنين وهو يذكر أسماء لأشخاص الظاهرين في تلك الصور من غير أن ينسى أي اسم أو مناسبة التقاط الصورة وتاريخها، يعلق: «الأمم المتحدة هيأت لي الفرصة في الظهور بين الأوساط العربية والعالمية. أنا دائما أقول إن الفرص التي أتيحت لي لم تتح لغيري أو لنادرين مثلي. فأنا دخلت الأمم المتحدة وعمري 23 سنة، حيث بقيت لمدة ثماني سنوات مقسمة على فترتين قبل أن أكون المندوب الدائم للعراق، وخرجت منها وعمري 43 سنة، وحتى عندما كنت وزيرا لخارجية العراق كنت أعمل كثيرا في قضايا تخص الأمم المتحدة وأشارك في اجتماعاتها كرئيس للوفد العراقي، يعني تستطيع أن تقول إني عملت في هذه المنظمة وبشكل دائم من عام 1951 وحتى عام 1969، يعني ما يقرب من عشرين عاما»، صور كثيرة، تبرز مجد الأناقة الكلاسيكية التي كانت سائدة آنذاك، أزياء نسائية راقية بحق، من ملابس وحقائب وأحذية، هنا يقف وإلى جانبه زوجته سلوى علي جودت وهي بأبهى أناقتها، وظهورها وهما يستقبلان يوثانت، سكرتير عام الأمم المتحدة، يقول باهتمام: «خلال الثماني سنوات والنصف التي عملت فيها ممثلا للعراق في الأمم المتحدة، كان من حسن حظي أن زوجتي بما لديها من مؤهلات اجتماعية وثقافية أسهمت في الكثير مما حققته من نجاح بصفتي ممثل العراق في الأمم المتحدة»، يستغرق في تأمله للصور وكأنه يعيش لحظات حدوثها ويتنفس رائحة العطور وينبهر بالألوان والأضواء التي كانت تسلط عليه باعتباره نجما دبلوماسيا ساطعا، يقول: «أنا أحببت العمل في الأمم المتحدة، وأحببت نيويورك، كانت هذه المدينة ساحرة وكنا نذهب هناك إلى السينما، ودعوات دبلوماسية متبادلة، ودعوات من المنظمات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني وهي كثيرة هناك، لكن واشنطن لم تكن مثل نيويورك التي فيها مسارح ودار أوبرا، ولغرض الذهاب إلى الأوبرا أو المسرح، كنا نذهب إلى نيويورك»، على أن الصور التي تجمعه مع أعضاء الوفود العراقية أو وفود الدول العربية وحتى الغربية، ليست بينها أي امرأة بصفتها دبلوماسية، يوضح: «كان الوقت مبكرا، خاصة في بداية عملي في الأمم المتحدة، لعمل المرأة في الوسط الخارجي على الرغم من وجود كلية عالية للبنات، وكانت هناك موظفات في الحكومة، مدرسات ومحاميات وطبيبات، وفي مجالات حكومية أخرى».
لقد بدء الباجه جي (مشاوير حياته العلمية) والعملية مبكرا، بل كانت على درجة عالية من المستويات الأكاديمية، دخل المدرسة الأميركية ببغداد، والثانوية الإنجليزية في الإسكندرية، والجامعة الأميركية في بيروت، وحصل على شهادة الدكتوراه من أرقى الجامعات الأميركية في واشنطن، لهذا تميز في عمله على الرغم من حداثة شبابه، يوضح: «عندما أصبحت مندوبا دائما للعراق عام 1959 كنت أصغر مندوب دائم في الأمم المتحدة، حيث كان عمري 36 سنة. وفي عام 1960 عندما عينت سفيرا في المنظمة الدولية كنت أصغر السفراء على الإطلاق في هذه المنظمة، بينما كانت أعمار وتجارب بقية السفراء كبيرة بالنسبة إلي، بل إن حياتهم المهنية كانت على وشك الانتهاء أو أن لهم شأنا سياسيا مهما في بلدانهم لهذا منحوهم هذا المنصب الكبير، ذلك أن لمنصب السفير في الأمم المتحدة شأنا مهما وقتذاك، لكونه يمنح الحق في التدخل في القضايا الدولية، لهذا فإن غالبية من تعينوا سفراء في الأمم المتحدة صاروا وزراء خارجية في بلدانهم فيما بعد، أمثال محمود رياض وعمرو موسى وإسماعيل فهمي في مصر، وعبد المنعم الرفاعي في الأردن، وجورج حكيم وشارل مالك في لبنان، وأنا في العراق، وتربطني علاقات مودة ومحبة مع غالبية وزراء الخارجية العرب ومن ضمنهم أمير الكويت الحالي الذي كان وزيرا للخارجية، وكنت ألتقي به كل عام في نيويورك».
ويوضح أن «هذا المركز اكتسب أهمية كبيرة، وهذه الأهمية تأتي من العمل الذي يقوم به المندوب الدائم، وأنا كنت قد حققت سمعة طيبة لبلدي ولي شخصيا، وكان من حسن حظي العمل مع عدد من الشخصيات العالمية المرموقة، وكنت أحاول دائما أن أكون على المستوى العالي السائد في الأمم المتحدة في ذلك الحين، لهذا نجحت في عملي وهناك رسائل من مندوبي الدول العظمى وبقية الدول التي تشيد بعملي، كتبوها بمناسبة توددهم لي لانتهاء عملي كمندوب دائم وتعييني وزيرا للخارجية. وما حققته كان بجهودي، فالحكومة لم ترسل لي يوما أي تعليمات أو تتصل بي لاتخاذ هذا الموقف أو ذاك، بل كنت أتصرف بناء على تقديري للأمور وخبرتي في العمل (كنت أشتغل على كيفي)، لم تكن هناك سوى اتصالات روتينية، فأنا من أتخذ المواقف ثم أبلغ الحكومة بهذه المواقف».
إن القيم الأخلاقية النبيلة التي نشأ عليها الباجه جي جعلته يتحلى بالبساطة والتواضع على الرغم من غناه أكاديميا ومهنيا، هذا التواضع الذي يحول من دون نسيانه الآخرين من معاونيه، فهو ليس مثل غالبية من ينجح في عمله فينسب كل النجاحات إلى نفسه، بل يتذكر وبدقة: «يسعدني هنا أن أقول أيضا إنني حافظت على أحسن العلاقات مع جميع الذين عملوا معي في البعثة العراقية، أذكر منهم نوابي عصمت كتاني، الذي حقق فيما بعد مركزا متميزا سواء في الأمم المتحدة أو في خدمة العراق، حتى بلغ منصب مساعد السكرتير العام للأمم المتحدة قبل أن يصبح الممثل الدائم للعراق فيها، بالإضافة إلى انتخابه رئيسا للجمعية العامة عام 1981، وكذلك عدنان رؤوف - رحمه الله - الرجل اللامع الذي شغل فيما بعد مراكز عليا في سكرتارية الأمم المتحدة، وعلاء الدين جبوري الموظف القدير المثقف، والآنسة فيجاء إبراهيم كمال - رحمها الله - كانت دبلوماسية ذكية للغاية وقديرة جدا وشغلت مركزا رفيعا كموظفة في الأمم المتحدة، ولولا مساعدة هؤلاء وتعاونهم لما استطعت مطلقا أداء واجبي كمندوب دائم، وإني مدين لهم ولغيرهم من زملائي في البعثة العراقية بفضل تعجز الكلمات عن التعبير عنه».
ويشير الباجه جي إلى مسألة مهمة تتعلق بتاريخ عمله في المنظمة الدولية، يقول: «في نيويورك كانت المجموعة العربية في الأمم المتحدة تجتمع باستمرار لمناقشة توحيد مواقفنا وخطاباتنا وقراراتنا في القضايا المشتركة، وغالبا ما كانت قضية فلسطين هي القضية المشتركة، أما العراق فلم تكن عنده أي مشكلات تستوجب طرحها في الأمم المتحدة آنذاك»، يصمت للحظة كمن يتذكر حدثا ما، ثم يبتسم وهو يقول: «باستثناء قضية واحدة تتعلق بالعراق، حيث طالبت منغوليا عام 1963، بعد الانقلاب البعثي الذي أطاح بعبد الكريم قاسم، بإدراج قضية استخدام العراق العنف ضد المدنيين الأكراد، وحدث ذلك بتحريض من السوفيات، لكون منغوليا كانت ضمن المنظومة الاشتراكية، وقد وجهت رسالة شديدة اللهجة إلى السكرتير العام للأمم المتحدة قلت فيها إن هذه قضية داخلية، فسحبت منغوليا طلبها ولم تدرج هذه المسألة في جدول الأعمال، كانت هذه هي المسألة الوحيدة التي جاء فيها ذكر العراق كقضية في الأمم المتحدة خلال عملي».
للباجه جي مواقف مبدئية ثابتة ولم تتغير من قضية الأكراد في العراق، فهو كان، ولا يزال، من المناصرين بقوة لحقوقهم المشروعة، وحسبما يؤكد فإنه: «كان دائما للأكراد تمثيل في مجلس الوزراء، فالعراق الحديث ومنذ تأسيسه اعترف بأن هناك وضعا خاصا للأكراد، وبقاؤهم ضمن العراق كان بشروط تكفل حقوقهم القومية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وقد اعترف العراق بهذا الوضع وتم تأكيده عندما استقل ودخل عصبة الأمم المتحدة كبلد كامل السيادة». ويرى أنه: «من حق الأكراد أن يقرروا مصيرهم عملا بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأنا لا ألومهم ولو كنت كرديا لتمنيت أن تكون لي دولة كردية، كل شعوب العالم صارت لها دولها، واليوم هناك جزيرة صغيرة في المحيط الهندي عدد سكانها لا يتجاوز العشرين ألفا صارت دولة معترفا بها كعضو في الأمم المتحدة».
ويذهب الباجه جي إلى أبعد من هذا فيقول: «كان المفروض أن تكون هناك دولة كردية منذ 1920، بعد انهيار الدولة العثمانية ووفق اتفاقية سرت، ويفترض أن كل الأجزاء الشرقية من تركيا مثل ديار بكر وغيرها تنضم لهذه الدولة، لكن مصطفى كمال أتاتورك لم ينفذ ذلك ووضع الجميع أمام الأمر الواقع. فالحركة الكردية بدأت أولا في تركيا قبل أن تندلع ثورة الشيخ محمود الحفيد في العراق، وقد قاتله الجيش الإنجليزي (البريطاني) الذي كان موجودا في العراق، واستمر القتال عبر كل وزارات العهد الملكي، وتم أسر الحفيد ليقود الثورة الكردية أحمد بارزاني شقيق ملا مصطفى بارزاني، وقد أعدمه الأتراك خلال الحرب».
الحديث عن الأكراد في العراق يأخذ الباجه جي، ويأخذنا إلى مناسبة تبرز في ذاكرته، يقول: «عندما كان والدي (مزاحم الباجه جي) وزيرا للداخلية في وزارة نوري سعيد الأولى، عام 1933، زار كردستان، كانت تسمى شمال العراق، وقد أخذني معه وكان عمري عشر سنوات، حيث زار جميع المدن الكردية، كركوك (نلاحظ أنه يذكر هنا كركوك باعتبارها مدينة كردية منذ ذلك التاريخ) والسليمانية وأربيل وزاخو والعمادية وراوندوز. كنا قد سافرنا بواسطة القطار إلى كركوك ومن هناك تنقلنا بواسطة السيارات، وقد رحب بنا الأكراد واحتفوا بوالدي، فهم شعب كريم، والتقى وجهاء الأكراد والشخصيات المهمة، ففي أربيل تمت استضافتنا في بيت ملا أفندي، إذ لم تكن هناك أي فنادق وقتذاك، وفي راوندوز لبى والدي دعوة رئيس البلدية في بيته المتواضع وكانت الأحاديث كلها تؤكد وحدة الشعب العراقي وضرورة منح الأكراد حقوقهم القومية، ثم زرنا مدينة الموصل ومنها إلى شيخان حيث مركز اليزيديين».
ويعرب هذا الدبلوماسي الذي اشتغل كثيرا في الأمم المتحدة على موضوع (تحرر الشعوب)، عن موقفه من القضية الكردية، بقوله: «أنا أناصر الأكراد في أن يقرروا مصيرهم مثلما يريدون، حتى عندما كنت وزيرا للخارجية عام 1966، قلت في اجتماع مجلس الوزراء يجب أن نسمح للأكراد بتقرير مصيرهم مثلما يريدون، فاستغرب الجميع من هذا الطرح، فقلت لهم، أنا دافعت لسنوات طويلة في الأمم المتحدة عن حقوق شعوب أفريقيا في الاستقلال ونيل حرياتها، ثم آتي إلى العراق لنحرم الأكراد، وهم منا وشعبنا! والأكراد يعرفون موقفي هذا، ومنذ بدايات عملي في الخارجية وأنا متمسك بهذا الموقف».
************************************************** *********************

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 10) سألت صدام عن الكويت واستبداده.. فردّ قائلا: التاريخ هو الذي سيحكم
الربيعي وعبد المهدي وجها شتائم إلى الرئيس المخلوع في اللقاء.. والجلبي ظل صامتا الباجه جي روى قصة لقائه صدام حسين في السجن بعد اعتقاله


ذاكرة العراقعدنان الباجه جي مع الشيخ زايد آل نهيانذاكرة العراقالباجه جي مع أنديرا غاندي وزوجته

معد فياض
يمتد تاريخ الدولة العراقية الحديثة منذ عام 1921، حيث تتويج فيصل الأول ملكا على العراق، وحتى سقوط العراق محتلا في عهد الرئيس السابق صدام حسين، ليبدأ بعد ذلك تاريخ جديد للعراق تحت الإدارة الأميركية قبل أن تتشكل حكومات مؤقتة وانتقالية ودائمة، وإن كانت القوات الأميركية لا تزال في البلد.

عدنان الباجه جي يشكل ذاكرة العراق، فهو كان التقى الملك فيصل الأول، مرورا بكل الحكومات والعهود وحتى صدام حسين، وما بعده، كما التقى عددا من قادة ورؤساء العالم، سواء باعتباره الممثل الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة، أو كوزير للخارجية.
وحتى لا نقع في إشكال زمني فإنه يوضح: «عندما التقيت الملك فيصل الأول كنت طفلا، أعتقد كان عمري ثماني سنوات، وحدث ذلك خلال مناسبة وطنية أو اجتماعية رافقت فيها والدي (السياسي مزاحم الباجه جي، رئيس حكومة في العهد الملكي)، وحييته». وربما كان الملك غازي، ثاني ملوك العراق، الوحيد الذي لم يأت على ذكره باعتباره قد التقاه، كون الباجه جي كان خارج العراق خلال دراسته الثانوية. يستطرد: «لكنني بالتأكيد قابلت الأمير عبد الإله، الوصي على العرش، والملك فيصل الثاني الذي رافقته في زيارة إلى المملكة العربية السعودية، كما ذكرت في مرة سابقة، وكل رؤساء الحكومات في العهد الملكي تقريبا، سواء عندما كنت أعمل في الخارجية، أو عندما كانوا يزورون والدي في بيتنا».
لكن المفاجأة هي مقابلته لمن أنهى العهد الملكي الذي ينتمي إليه الباجه جي، بل وخرج في جولة مع الزعيم عبد الكريم قاسم، يقول: «في نهاية عام 1961 جئت إلى بغداد في إجازة، وكنت المندوب الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة، وطلبت مقابلة قاسم، فحُدد لي موعد في الليل وذهبت إلى مكتبه، حيث كان يقيم في مقر وزارة الدفاع (القديمة على ضفاف نهر دجلة بجانب الرصافة)، فحياني وقال: نحن نقدر عملك وجهودك، ثم بدأ يتحدث عن نفسه، وعما يريد تحقيقه للعراق، وعرض لي بذلته العسكرية التي فيها بقايا الدم، التي كان يرتديها عندما تعرض لمحاولة الاغتيال التي تعرض لها في شارع الرشيد، مساء السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1959، وتحدث لي عن الثورة وكيف تمت، والمباغتة التي قاموا بها، وأسهب في ذكر مصطلحات عسكرية، ثم أخذني معه في جولة في بغداد بسيارته العسكرية بعد منتصف الليل. كنت أجلس إلى جانبه، وكان هناك مرافق عسكري يجلس إلى جانب السائق، وتجولنا في كل بغداد، حيث أخذني إلى قناة الجيش التي افتتحت في زمنه، ثم مررنا بمخبز للصمون العراقي، وتوقف هناك وقال للعاملين والناس الذين تجمعوا لتحيته: (كل هذا سويناه من أجلكم حتى لا يبقى في العراق أي فقير، بعد ماكو فقراء بالعراق)».
ولا يزال الباجه جي يحتفظ بالشعور الأول، أو الفكرة الأولى التي كونها عن قاسم: «كان شخصا بسيطا للغاية، والناس كانت تلتف حوله لأنهم كانوا يحبونه، والبغداديون كانوا يسهرون حتى الصباح، وهذه عادتهم منذ العهد الملكي، فالناس كانت تشعر بالأمن والاطمئنان. عدنا من جولتنا مع بداية الصباح حيث قدموا لنا الفطور، وكان عبارة عن صحن كباب عراقي مشوي، كان فطورا بسيطا (كان الحارس يجلب الكباب لقاسم من مطعم بسيط وشعبي قريبا من وزارة الدفاع) واستغربت أن يكون طعام الفطور كبابا مشويا، ثم أعطاني صورته بعد أن كتب عليها إهداء (إلى عدنان الباجه جي تقديرا لإخلاصه للوطن) ووضع توقيعه، وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي التقيته فيها، إذ عدت إلى نيويورك وحدث انقلاب عبد السلام عارف والبعثيين، إذ أعدموا قاسم في مبنى الإذاعة العراقية.كان قاسم يعمل مخلصا من أجل إصلاح وإعمار العراق، وأراد أن يرتقي بمستوى الفقراء اقتصاديا، ولكن، أيضا، من أكثر أخطائه فداحة هي قيامه بإعدام الضباط القوميين في ساحة أم الطبول، وأشهرهم العميد الركن ناظم الطبقجلي، قائد الفرقة الثانية، والعقيد رفعت الحاج سري، الأب الروحي لحركة الضباط الأحرار والمؤسس الحقيقي لها، ومدير الاستخبارات العسكرية بوزارة الدفاع».
يكرر الباجه جي رفضه لأي قرار بإعدام أي سياسي أو بسبب أفكاره، مهما كانت هذه الأفكار، بل هو بصورة عامة ضد عقوبة الإعدام، يقول: «لقد شعرت بالأسف على مصير قاسم، فأنا مبدئيا ضد القتل وضد عقوبة الإعدام لأنني أعتقد أنها عقوبة بربرية وخاطئة، أما الإعدام لأسباب سياسية فهذا مرفوض تماما وعلى الإطلاق، وأنا كنت ضد إعدام صدام حسين، وضد إعدام أي شخص، يعني من البربرية والوحشية إعدام رئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو أي سياسي كان، ويحدث في عقوبات الإعدام كثير من الأخطاء، مثلا يتم إعدام شخص متهم بالقتل، ومن ثم يكتشف فيما بعد أنه بريء، وحدث ذلك كثيرا في العراق وفي أماكن أخرى من العالم، لهذا أفضل وضعه في السجن. وإلغاء حكم الإعدام أصبح مقبولا في أوروبا وكثير من الولايات الأميركية ودول العالم».
واحدة من مميزات الباجه جي هي تنظيمه الدقيق لحياته، لهذا نجد أن ذاكرته منظمة للغاية، تضم في طياتها ملفات أتخيلها معتنى بها وبمعلوماتها الغنية، يقول: «قابلت الرئيس عبد السلام عارف عام 1964 عندما ترأس وفد العراق في مؤتمر عدم الانحياز في القاهرة، وأنا كنت وقتذاك في نيويورك كمندوب دائم للعراق لدى الأمم المتحدة، فطلبوا مني الالتحاق بالوفد العراقي في المؤتمر، وكان صبحي عبد الحميد وزيرا للخارجية، وكنت قد بذلت جهودا كبيرة خلال المؤتمر، خاصة في مناقشة قضيتي فلسطين وعدن.كنت أجلس مع الرئيس عارف كعضو في المؤتمر، وقد نقل لي وزير الخارجية شكر وتقدير رئيس الجمهورية للجهود التي قمت بها». منوها إلى «أنا كنت أقابله دائما عندما عينت وزيرا للدولة للشؤون الخارجية عام 1966، إذ كان عبد الرحمن البزاز رئيسا للوزراء ووزير الخارجية، لكن عمليا كنت أنا وزير الخارجية، وكان من عادة الوزراء مقابلة رئيس الجمهورية في أي قضية مهمة، أو عندما يطلب هو، أو أي منهم يريد مقابلته، وعندما مات الرئيس عبد السلام عارف في حادث سقوط طائرة الهليكوبتر كنت لا أزال وزير الدولة للشؤون الخارجية».
توفي الرئيس عبد السلام عارف على أثر سقوط طائرة الهليكوبتر السوفياتية الصنع طراز مي (Mi) في ظروف غامضة. إذ كان يستقلها هو وبعض وزرائه ومرافقيه بين قضاء القرنة ومركز مدينة البصرة مساء يوم 13 أبريل (نيسان) 1966 وهو في زيارة تفقدية لألوية، محافظات، الجنوب للوقوف على خطط الإعمار وحل مشكلة المتسللين الإيرانيين.
ويذكر أنه «في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف صرت وزيرا أصيلا للخارجية وكنت أقابله باستمرار، كما رافقته في سفرات إلى إيران وتركيا». يبتسم وهو يتذكر لقاءه مع أحمد حسن البكر، يقول: «فاجأني أحمد حسن البكر بزيارة في مكتبي في وزارة الخارجية، وأنا لم أكن قابلته أو تعرفت عليه من قبل، ووقت ذاك كان هو خارج الحكومة، فرحبت به وتحدثنا سوية، فقال لي: (نحن المؤمنين بالتيار القومي العربي يجب أن نتعاون ونتكاتف، وأرجو أن تتحدث مع الرئيس عبد الرحمن عارف لمساعدة إخوانه البعثيين وأن يتعاون معهم)، كان يهدف لخداعي واستغلالي (يقشمرني يعني)، فقلت له: إن شاء الله، وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي ألتقي فيها معه. وبالفعل أبلغت رسالته إلى عارف، فضحك، ثم قال: (نحن بالفعل نريد أن نفتح صفحة جديدة مع الآخرين ونفسح لهم المجال)».
ليس بإمكاننا أن نتصور أن للباجه جي أكثر من لقاء مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين، الذي «كنت قد سمعت عنه قبل أن أراه، كان ذلك عام 1967 وخلال اجتماع لمجلس الوزراء في حكومة ناجي طالب، كنت وزيرا للخارجية، إذ سأل أحد الوزراء قائلا: (هل سمعتم أن صدام التكريتي قد هرب من السجن)، لم أكن قد سمعت أو عرفت أي شيء عنه، فاستفسرت من يكون صدام التكريتي هذا؟ فأجاب الوزير قائلا: (هذا شاب بعثي شارك في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، وهو متحمس جدا)، وانتهى الموضوع. بعد سنوات تركت العراق وكنت في أبوظبي مستشارا للشيخ زايد رحمه الله، فجاء صدام حسين عام 1972، كان لا يزال نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة أحمد حسن البكر، فالتقى الشيخ زايد (رحمه الله) وكنت أنا أجلس إلى جانبه، فقال الشيخ زايد لصدام (الإنجليز والإيرانيون يهاجمون عدنان الباجه جي لأنه يتصدى لموضوع الجزر الإماراتية)، (كانت إيران قد احتلتها، وما زالت) فقال له صدام (لهذا نحن نحب عدنان)».
في زيارته لأبوظبي كان صدام حسين قد اجتمع مع الجالية العراقية هناك، يقول الباجه جي: «أنا كنت، ولا أزال أتصرف كمواطن عراقي وإماراتي، وأحمل جنسيتين وجوازين، عراقيا وإماراتيا، وليس عندي أي جواز آخر، لا بريطاني ولا أميركي، وخلال هذا الاجتماع كنت أجلس إلى جانب صدام حسين، قلت له: (الآن هناك فرصة لتحققوا لنا حلمنا بإقامة الوحدة بين العراق وسورية، فالجماعة الذين كانوا ضدكم في دمشق قد رحلوا)، وكنت أعني صلاح جديد وجماعته الذين كانوا ضد ميشال عفلق، إذ أقدم حافظ الأسد على حركة سماها التصحيحية. وواصلت حديثي مع صدام حسين (اليوم هناك فرصة نتمنى أن لا تضيع ونتمنى أن تتفاهموا حول الوحدة)، وبالفعل كانت هناك مباحثات قد جرت بين العراق وسورية حول الوحدة بين البلدين، لكنها كانت مباحثات كاذبة، لا صدام ولا الأسد كانا جادين في تحقيق هذه الوحدة».
ويسترجع هنا حادثة لقائه مع عبد الحليم خدام، يقول: «فيما بعد التقيت مع عبد الحليم خدام في أحد المؤتمرات، حيث كان وزيرا للخارجية السورية، وتحدثت معه أيضا عن موضوع الوحدة بين العراق وسورية، فقال لي: (نحن نعرفهم، يعني القيادة العراقية، جيدا ولا نثق بهم)، حتى وصلت الأمور إلى عام 1979 عندما استولى صدام حسين على السلطة في العراق وأعلن ما سماها المؤامرة الشهيرة التي اتهم فيها سورية وقيادة البعث في العراق، وبالتأكيد كانت كذبة كبيرة وعبارة عن صراع على السلطة ومن يسيطر على حزب البعث في العالم العربي. صدام كان يريد أن يسيطر على العراق والأسد على سورية».
وباستياء بالغ يفيد قائلا: «أنا لا أغفر لحافظ الأسد أبدا، لأنه كان يزود طهران بالسلاح ويدعمها، في الوقت الذي كان العراق في حرب مع إيران من أجل الدفاع عن العراق وعن الأراضي العربية. ولهذا فأنا أنفر من كل الجماعات العراقية التي ذهبت إلى إيران وكانت هناك خلال الحرب العراقية - الإيرانية وساندت ودعمت العدوان على بلدها، مهما كان كرهها وموقفها من صدام حسين، فهذا لا يبرر وقوفها مع إيران ضد قوات بلدها التي كانت تقاتل من أجل بقاء العراق والدفاع عنه».
يستطرد قائلا: «شاءت الصدف أن ألتقي صدام حسين للمرة الثانية عام 1975 في الجزائر خلال ترؤسه وفد العراق في مؤتمر قمة للدول المصدرة للنفط (أوبك) وكنت هناك مع الشيخ زايد الذي ترأس وفد الإمارات، وخلال هذا المؤتمر تصالح (صدام) مع شاه إيران حيث جمعهم الرئيس الجزائري بو مدين وسط تصفيق بقية الوفود، ووقع اتفاقية الجزائر الشهيرة، ثم جاء لزيارة الشيخ زايد في مقر إقامته وكنت حاضرا، فسأله الشيخ زايد عن الاتفاقية التي وقعها مع الشاه، وقال له: (أريد أن أعرف ما هي هذه الاتفاقية وماذا تضمنت)، فأجابه صدام حسين قائلا، وهذا سمعته بنفسي، (أنا عندي مشكلتين مع إيران، الأولى تتعلق بشط العرب، فهم لا يعترفون بالاتفاقية السابقة الموقعة بينهم وبين العراق، والثانية هي مساعدة إيران للأكراد، ثورة الأكراد مستمرة وتكلفنا كثيرا من الضحايا والأموال)، ثم أضاف قائلا: ( أنا لا أملك القوة لأجعل إيران تعترف بالاتفاقية السابقة حول شط العرب، وهذا الموضوع صار واقعا لا نستطيع تغييره، لهذا أنا وافقت على أمر واقع وكسبت إيقاف الدعم الإيراني للمتمردين الأكراد، وهذا سيوفر علينا الأرواح والأموال)».
لكن أكثر اللقاءات مع صدام حسين إثارة، وتحمل عنصر المفاجأة، كانت في المرة الثالثة، أو اللقاء الأخير «المرة الثالثة التي التقيت فيها مع صدام حسين كانت في السجن بعد أن تم القبض عليه.كان ذلك في شهر (ديسمبر) كانون الأول 2003، وكنت أنا رئيسا لمجلس الحكم وكالة، ذلك أن رئاسة المجلس كانت شهرية، وكان دوري في الرئاسة في شهر (يناير) كانون الثاني، ولكن بسبب سفر رئيس المجلس وقت ذاك، عبد العزيز الحكيم، إلى فرنسا فأنا ترأست المجلس خلال غيابه». وبتفصيل أكثر دقة، يقول: «يوم القبض على صدام حسين كنت مريضا ودرجة حرارتي مرتفعة، اتصلوا بي من إذاعة الـ(بي بي سي) يسألونني عن رأيي في القبض على الرئيس العراقي السابق، وأنا لم أكن قد سمعت بالخبر لأني كنت منقطعا عن الأخبار بسبب مرضي، فقلت أنا لا أعرف بالخبر، بعد ذلك بخمس دقائق اتصل بي هاتفيا بول بريمر (الحاكم المدني الأميركي للعراق ما بين 2003 و2004)، وقال: (أحببت أن أبلغكم بأننا ألقينا القبض على صدام أمس وأود مشاركتكم لي في مؤتمر صحافي حتى يصدق العراقيون وغيرهم ذلك، ووجودك مهم)، قلت: (هذا حدث كبير وتاريخي)، ومع أني كنت مريضا فقد ارتديت بذلتي وحضرت المؤتمر حيث كان هناك من يهتف ويصفق، وآخرون يبكون فرحا، ألقيت كلمة سريعة خلال المؤتمر الذي شاهده العالم كله». يقول: «بعدها اقترح بريمر أن أتصل بعدد من أعضاء مجلس الحكم للذهاب لمقابلة صدام حسين في السجن ليتأكد العالم من الحدث، فاتصلت بنصير الجادرجي، وشخص آخر نسيته الآن، للمجيء إلى مطار الهليكوبتر لهذا الغرض، وكلاهما اعتذر عن الحضور، لكننا أنا وبريمر فوجئنا بوجود أحمد الجلبي وعادل عبد المهدي وموفق الربيعي في المطار من غير أن يدعوهم أحد، لم يكونوا مدعوين لهذا اللقاء، فسألت بريمر فيما إذا كان هو قد دعاهم، لكنه أجاب مستغربا حضورهم، وقال: (لا، أنا لم أتصل بهم)، لكنهم حشروا أنفسهم ووضعونا أمام الأمر الواقع، فصعدنا أنا وبريمر في هليكوبتر وهم ثلاثتهم في هليكوبتر أخرى، وصلنا إلى مكان بالقرب من مطار بغداد بعد أن داروا بنا عدة مرات».
لقد تحدث أكثر من شخص كان قد شارك في هذا اللقاء، وهنا يرويها الباجه جي من وجهة نظره، قال: «كان سانشيز قائد القوات الأميركية في انتظارنا هناك، حيث دخلنا إلى غرفة صغيرة وبسيطة للغاية، وشاهدت صدام حسين يجلس على سرير مخصص للجنود ويرتدي دشداشة بيضاء وفوقها جاكيت (سترة)، وكانوا قد حلقوا شعره وذقنه، فتطلع إلينا، وفوجئت بموفق الربيعي وهو يستهل اللقاء بتوجيه الشتائم والكلمات النابية له (أنت كذا وابن كذا وفعلك)، وما شابه من هذه الشتائم، وتابع (أنت الآن فيك خير، عندك شجاعة، وتطلع إلى الشارع)، فأجابه صدام حسين بهدوء وثقة قائلا: (نعم أنا أستطيع الآن الخروج إلى الشارع، لكن هل أنت فيك خير، عندك الشجاعة لتخرج إلى الناس في الشارع الآن)، ثم قال له الربيعي: (لماذا فعلت هذا بالصدر)، (يعني محمد باقر الصدر)، ثم جلسنا على كراسي وبقي بريمر واقفا إلى جانب سانشيز، فأجابه صدام ساخرا: ( أنا لا أعرف عما تتحدث، يا صدر، يا رجل، ويعني القدم)، وبالطريقة نفسها شتمه عادل عبد المهدي لكن بدرجة أقل من الربيعي». ويثير الباجه جي مسألة بقيت مستغربا منها حتى الآن، يقول: «الغريب في هذا اللقاء هو أنه خلال الفترة التي بقيناها هناك لم ينبس أحمد الجلبي بكلمة واحدة ولم يقل أي شيء، باستثناء أن صدام حسين عندما سأل عنا (من هم الجماعة)، فقفز الجلبي مسرعا من مكانه وقال مشيرا إلي (هذا عدنان الباجه جي)، بدلا أن يقول له مثلا أنا أحمد الجلبي، أو يقدم له الآخرين، عبد المهدي والربيعي، بعد ذلك صمت الجلبي ولم يقل أي كلمة، يعني هذا كل ما تفوه به خلال فترة المقابلة التي استمرت ما يقرب من 45 دقيقة. تطلع صدام إلي وقال: ( إي احنا نعرفك ولكن اشجابك على هذولة)، (نعم نحن نعرفك ولكن ما الذي جمعك مع هؤلاء)، فقلت له: (أنا لم آت معهم، فنحن جئنا إلى العراق لأننا نريد تحقيق حكم ديمقراطي) فقال: (كان حكمنا ديمقراطيا ونحن انتخبنا الشعب)، قلت معترضا: (لا لم يكن حكمكم ديمقراطيا، بل كان استبداديا)، ثم تابعت قائلا: (أنا عندي سؤال يشغلني منذ سنوات وأريد إجابتكم عليه، لماذا لم تنسحب من الكويت عندما كان بمقدوركم فعل ذلك، كنت ستجنب العراقيين والعراق كثيرا من الكوارث)، فأجاب: (أنا كنت على استعداد للانسحاب، لكنني اشترطت حل قضايا أخرى في المنطقة)، قلت: (أنت تعرف أن ذلك كان يعد من المطالب التعجيزية)، فرد قائلا: (التاريخ هو الذي سيحكم)، ثم سألته: (لماذا كان حكمك ديكتاتوريا ومتعسفا)، فأجاب: (العراق يحتاج إلى حاكم عادل وحازم)، فقلت: (لم تكن حاكما عادلا بلا شك، وكان حكمكم مسؤولا عن قتل مئات الآلاف من العراقيين)، فأنهى الحديث مكررا قوله السابق: (على كل حال التاريخ هو الذي سيحكم ويقرر)».
ويمضي قائلا: «في طريق عودتنا جلس أحمد الجلبي بقربي، وكان منطفئا وصامتا، فسألته ان كان هناك اي شيء وقلت له (انت مو على بعضك)، فقد كان يبدو خائفا، وكأن هناك شيئا يخشى كشفه، على العموم أنا لا أستطيع أن أخمن ما سبب ذلك، فبعض الظنون تكون خاطئة». يقول: «فكرت في هذا الرجل، صدام حسين، أي مكانة عالية كان فيها وإلى أي مصير وصل، والإنسان يجب أن لا يشمت بمصائر الآخرين، فأنا لم يكن بيني وبين صدام حسين أي موضوع شخصي، ولا أستطيع الادعاء بأن البعثيين ظلموني، كلا لم يظلموني، بل على العكس كانوا دائما يتعاملون معي باحترام وتقدير. لكنني حزنت كثيرا لما حل بشعبي وبلدي بسبب موضوع الكويت».
ويتذكر الباجه جي بقية الرؤساء ورؤساء الحكومات الذين قابلهم خلال حياته المهنية، على أن تفاصيل هذه اللقاءات سيأتي ذكرها خلال تسلسل الأحداث.
يقول: «ذهبت إلى القاهرة في مايو (أيار) على رأس وفد عراقي قبل حرب 1967، وقابلت الرئيس جمال عبد الناصر، كما زرت الهند وباكستان، والتقيت أنديرا غاندي حيث كانت رئيسة الوزراء، بينما كان رئيس وزراء باكستان أيوب خان، وطلبت منه أن يعيد النظر في اعتقال ذو الفقار علي بوتو، لأنه كان وزيرا للخارجية وتربطني به علاقات طيبة، ووعد خيرا، بعد ذلك بسنوات ذهبنا أنا وأحمد السويدي من أبوظبي، عندما كنت أعمل في الإمارات، إلى باكستان، وكان بوتو رئيسا للوزراء وقت ذاك والتقيت به حيث شكرني على موقفي وقال: (لقد بلغني اهتمامكم بقضيتي وأنا في المعتقل)، لكنه أعدم فيما بعد على يد العسكر في عهد ضياء الحق»، يصمت الباجه جي للحظات، ثم يعاود الحديث قائلا: «يعني ما يصير إعدام رئيس وزراء، مثلما فعلوا في تركيا بإعدام عدنان مندرس، هذا لا يجوز، هؤلاء رؤساء وزارات وليسوا مجرمين، ثم إن السياسة هي عبارة عن اجتهادات، من يقول أنت صح وهو خطأ، هذه همجية».
وعندما كان الباجه جي وزيرا لخارجية العراق التقى الرئيس الفرنسي، حسبما يذكر: «التقيت الرئيس ديغول في الإليزيه، والتقيت رئيس الوزراء التركي سليمان دميريل، وذهبت إلى إيران في زيارة رسمية مع الرئيس عبد الرحمن عارف، وقابلت الشاه محمد رضا بهلوي منفردا في قصره في شمال طهران».
والمعروف أنه كان اسم الباجه جي سيضاف إلى نادي رؤساء الجمهوريات لو أنه لم يتنازل عن اختياره رئيسا للعراق، كما سنعرف لاحقا، لكنه وبثقة وعزة الرجل الغني بأفكاره وتاريخه وإنجازاته، يقول: «أنا ليس لي أي طموحات شخصية سوى خدمة العراق والعراقيين، العراق الذي منحني كل شيء، ومثلما أوضحت سابقا هو أنني أردت أن أرد لبلدي وشعبي بعض ما منحني إياه من خلال خبراتي وعلاقاتي العربية والدولية، فلست طامعا في مال ولا جاه ولا منصب، والحمد لله مشهود لاسمي وتاريخي وسمعتي، وقد عشت كل هذه السنوات معززا مكرما في الإمارات التي أحترم أهلها ويحترمونني، فأنا أشعر، وهم أيضا قد أشعروني بأن الإمارات بلدي، فأنا أسهمت في إنشائها وبنائها».
************************************************** ***************
************************************************** ****
****************************************
*****************************
*****************
*********
****
**
*



`h;vm hguvhr


التوقيع:
صورة رومانسية
  رد مع اقتباس
قديم 2011-03-01, 07:43 PM   #2
نائبة المدير العام
الصورة الرمزية هدير الامواج
 
هدير الامواج will become famous soon enoughهدير الامواج will become famous soon enough هدير الامواج غير متواجد حالياً
افتراضي

طرح جمييييل وممتع
شكرا لك اختي الحبيبة
دوما مميزة بطرحك
دمتي ودام نبض قلبك وقلمك

التوقيع:


-=-لا تتخيّـل كل النــاس ملائكهــــ -=-
-=- فتنهار احلامكـــ -=- -=- ولاتجعل ثقتك بهم عميـــاء -=-
-=- لأنك ستبكي يومـــا على سذاجتكـــ -=-



أنا انثى لا اتقاسم الأشياء مع احد
أما يكون لي وحدي او اتركه خلفي.....






  رد مع اقتباس
قديم 2011-03-03, 03:18 PM   #3
مراقب سابق
الصورة الرمزية عادل الجريح
 
عادل الجريح is on a distinguished road عادل الجريح غير متواجد حالياً
افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية

التوقيع:


aidl_t@yahoo.com
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
العراق, ذاكرة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل الغراب حقود وله ذاكرة قوية؟ شعاع الحزن عالم الحيوان - عالم النبات - البيئه والحياه الطبيعية 3 2011-11-04 06:55 PM
دردشة عراقنا دردشة عراقية دردشة العراق شات عراقي بنات العراق شباب عراق غير مسجل دليل سما الحب 1 2011-06-09 01:47 PM
متى تمحي ملامحك من ذاكرة تفاصيلي ؟ شعاع الحزن مسجات الجوال - رسائل الجوال - mms 5 2010-11-23 09:58 PM


الساعة الآن 02:55 AM بتوقيت الوطن العربي


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2 sama love
جميع الحقوق محفوضة لـ منتديات سما الحب

دردشة عراقنا

دردشة عراقية

سما الحب

سما الحب

عروس العراق

سما الحب

سما الحب

سما الحب

سما الحب

سما الحب

سما الحب

سما الحب